الايمان


 

الإيمان كقوة دفع ذاتية ورقابة وجدانية

​تتجلى قيمة الإيمان الحقيقي وعظمة اليقين في ذلك الحافز الذاتي الذي يولده الإيمان بالله واليوم الآخر وبقضاء الله وقدره، فهو حافز مؤثر وفعال جدًّا في دفع كل فرد مؤمن إلى فعل الخير والالتزام به، إنه حافز محرك ودافع وحارس ورقيب ذاتي، يصاحب الإنسان الذي يملك وعيه مصاحبة دائمة، فهو معه في جميع أوقاته، وفي جميع أحواله، إذا كان بين الناس وإذا كان في خلواته، إذا كان منكشفًا في الأضواء وإذا كان مستترًا في الظلمات، وحيث يظن أنه لا يراقبه أحد، وحيث لا تراقبه رقابة قانونية بشرية، ولا تمتد إليه سلطة قضائية، ولا تردعه هيئة اجتماعية.

​إن هذا العمل الجليل ينفرد به خاصة أهل الإيمان الذين قدروا الله حق قدره وعظموه حق التعظيم، وشاهدوا بقلوبهم قدرة الله عليهم وإحاطته بهم، واستحضروا معية الله لهم في كل الأحوال، مصداقاً لقوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، وقوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً). فهذا الحافز ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو قوة مهيمنة تعيد صياغة كيان الإنسان من الداخل، إذ يمتد أثره ليشمل كافة مكنونات النفس البشرية؛ فهو يقبض على زمام العقل من خلال اليقين المستمد من نور الوحي، ويملك ناصية القلب بمشاعر المحبة الصادقة لله والشوق لنيل رضاه، كما ينضبط به جموح النفس عبر التوازن الدقيق بين رهبة العقاب ورجاء الثواب العظيم، وقد حذرنا الله تعالى لنستشعر هذه الرقابة فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَروهُ).
​وبناءً على ذلك، فإن الإيمان يعمل كقيادة داخلية شاملة تسوق الإنسان من أركانه كافة، وهي قوة فريدة لا تدانيها أي سلطة مادية في الوجود، لأنها تنبع من أعماق الوجدان لا من ضغط القوانين الخارجية، فمراقبة الله في السر هي ثمرة كمال الإيمان وكمال النصح، فكلما زاد إيمان العبد زادت مراقبته لله الذي (يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ). وكما قال ابن كثير في تفسيرها: "ليحذر الناس علمه فيهم فيستحيوا من الله حق الحياء ويتقوه حق تقواه".
​إن هذا الحافز هو تجسيد لمقام الإحسان الذي بينه النبي ﷺ بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ووصيته لابن عباس رضي الله عنهما: (اتق الله حيثما كنت)، أي في سرك وعلنك وفي خلوتك كما تراقبه مع الناس. ومع ذلك، تظل فاعلية هذا المحرك رهينة بعلاقة طردية مع جذوة اليقين في الصدر؛ فكلما تعاظم الإيمان في قلب الفرد المسلم، اشتدت قوة هذا الحافز وأصبح صاحبه أكثر استقامة وصلابة في الحق، كقوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، وكلما خبا نور الإيمان أو نقصت نسبته، ضعف ذلك الرقيب الداخلي وتراجع أثره، مما يؤكد أن الاستقامة الأخلاقية هي الثمرة المباشرة لعمق الاتصال بالخالق والارتباط باليوم الآخر.


دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة