المشاركات

عرض المشاركات من يونيو, 2026

بين القدر وهوى النفس

صورة
  بين القدر وهوى النفس... لماذا يروّج الناس لما في أنفسهم؟ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. إن من أعظم ما ينبغي أن يرسخ في قلب المؤمن أن كل ما يقع في هذا الكون فهو بعلم الله وتقديره، فقد كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض، فلا يقع شيء إلا بإذنه سبحانه. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ سورة الحديد: 22. وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ سورة التكوير: 29. فالقدر حق، ومشيئة الله نافذة، ولكن الله أعطى الإنسان إرادة يختار بها بين طريقين: طريق الحق، وطريق الباطل. قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ سورة الإنسان: 3. وقال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ سورة البلد: 10. فليس للإنسان بعد قيام الحجة أن يحتج بالقدر على معصيته، بل يحاسب نفسه، ويسألها:  هل أنا على طريق الله؟ أم على طريق الهوى؟ لماذا يشكو ال...

تحول الخلاف الزوجي إلى قضية طلاق

صورة
  حين يتحول الخلاف الزوجي إلى قضية طلاق... أين تبدأ الأخطاء؟ ​قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]. ​وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنَهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ۚ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]. ​من تأمل القرآن وجد أن الله لم يجعل الطلاق أول الحلول، بل جعل قبله الصبر، وحسن العشرة، والتغافل، والإصلاح، والتحكيم. وهذا يدل على أن الأصل هو بقاء الأسرة، وأن الفراق إنما يكون عند تعذر الإصلاح. ​لكن الذي نراه في بعض البيوت اليوم أن الخلاف يبدأ صغيرًا، ثم يكبر بسبب العناد، وسوء التصرف، والتدخلات، حتى ينتهي إلى الطلاق أو الخلع، مع أن بدايته ربما كانت كلمة، أو سوء فهم، أو موقفًا عابرًا. ​   الغضب... عدو القرار ​كم من بيت هُدم لأن قرارًا مصيريًا اتُّخذ في ساعة غضب. الغضب يضيق معه التفكير، ويغيب معه تقدير العواقب، فيرى الإنسان أن الفراق هو الحل الوحيد، ثم إذا هدأت النفوس ظهر أن المشكلة كانت أصغر من أن تهدم بيتًا. ​ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى علاج الغضب، وقال للرجل الذي طلب الوصية: «لا تغضب.» فردد...

متاحف الدنيا وموازين الآخرة

صورة
  منصات الدنيا ...وموازين الآخرة ​إن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أشبه بـ "المتاحف المفتوحة" المتاحة لكل أحد؛ يدخلها من يشاء، ويعرض فيها ما يشاء دون قيود بشرية. لكن هذا المتاح في الدنيا، يختلف تماماً في ميزان الله سبحانه وتعالى؛ حيث لا يضيع عنده مثقال ذرة. ومن هنا وجب على كل قارئ وناشر أن يتنبه بدقة لما ينشره أو يتفاعل معه، ويميز بين الحلال والحرام، فالشاشة ليست عذراً لنسيان الرقابة الإلهية. ​انفصام "المحتوى" بين ظاهر الخير وباطن الفتنة ​بناءً على هذا المنظور، يمكن تقسيم الناشرين في هذا "المتحف الرقمي" إلى ثلاثة أصناف رئيسية: ​1. النشر الواعي والهادف أهل الخير والعمل ​ هذا الصنف واضح؛ ينشر آية، أو حديثاً، أو علماً ينتفع به، أو يروّج لعمله ورزقه. حتى وإن كان يقلد غيره، فهو يقلد في مساحات الخير البنّاءة. هدفهم واضح ورسالتهم مباشرة، وهذا هو الاستغلال الحلال والصحيح للمنصات. ​2. فتن الحروف والغموض النفسي ​ هنا تبدأ المنطقة الرمادية التي أشرت إليها بـ "الفتن بين الحروف". يكتب البعض كلمات غامضة، مبطنة بالوجع أو العشق أو الإسقاطات، كأنه يوجه رسائل مشفر...

عصر الشاشات

صورة
  عصر الشاشات... حين تغيَّر مفهوم الزواج عند بعض النساء ​قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. ​وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131]. ​ الشاشات... نعمة قد تتحول إلى فتنة ​لم تعد وسائل التواصل مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت تُشكِّل الأفكار، وتؤثر في نظرة الإنسان إلى الحياة والزواج والأسرة. فهي تحمل خيرًا كثيرًا إذا استُعملت في العلم والدعوة وصلة الأرحام، لكنها قد تصبح بابًا للفتنة إذا صارت المصدر الذي تُبنى عليه الأحكام والتصورات. ​لقد أصبح بعض الناس يقيسون حياتهم بما يرونه على الشاشات، وينسون أن ما يُعرض غالبًا هو أجمل اللحظات، أما الخلافات والتعب والصبر فلا تظهر للناس. ​ في العمق النفسي:  السمع والبصر هما نافذتا القلب؛ وحين تُحاصر المرأة يومياً بآلاف الصور والفيديوهات لبيوت "مُفصلة على مقاس الكمال"، يبدأ وعيها الباطن برفض واقعها. الشاشة لا تنقل "الحقيقة"، بل تنقل "إخراجاً سينمائيّاً" لحياة يُمثّل أصحاب...

دربنا في الحياة صورة

صورة
 

نور علي دربك

 

المرأة بين الطلاق والخلع

صورة
  حين يتحول العلاج إلى ظاهرة ​ ​لقد خلق الله الإنسان ليبتليه، ولم يجعل الدنيا دار راحة دائمة، بل دار امتحان يختبر فيها الإيمان، والصبر، والأخلاق، وحسن القيام بالمسؤوليات. ومن أعظم هذه المسؤوليات ميثاق الزواج، الذي سماه الله ميثاقًا غليظًا، وجعله من آياته الدالة على حكمته ورحمته. ​ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]. ​فالزواج في الإسلام ليس عقدًا ماديًا فحسب، ولا علاقة تقوم على الإعجاب المؤقت أو المصلحة العابرة، وإنما هو سكن للنفس، ورحمة عند الشدة، ومودة تتجدد مع الأيام، ووسيلة لحفظ الدين، وبناء الأسرة، وتربية الأجيال. ​ومع ذلك، لم يعد الله أحدًا بحياة زوجية خالية من الخلافات، بل أخبرنا أن طبيعة البشر الاختلاف، ولذلك أمر بالصبر، والإحسان، والتغافل، والإصلاح قبل التفكير في الفراق. ​ قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَي...

عصر النساء بين الطلاق والخلع

صورة
          عصر النساء بين الطلاق والخلع الميثاق الغليظ وأزمة الأخلاق والتربية المعاصرة ​إن الأسرة في الإسلام ليست مجرد شركة مدنية قابلة للفض عند أول خلاف، بل هي كيان مقدّس وصرح شُيّد على تقوى من الله ورضوان. ولقد وصف الله سبحانه وتعالى هذا الرابط بوصف مهيب فريد في القرآن الكريم، حيث سماه "ميثاقاً غليظاً"؛   فقال عز وجل: «وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا» [النساء: 21]. وهذا الوصف يدل على قوة هذا العقد ومتانته، وأنه لا ينبغي أن يُنقض بخفة أو تسرّع. ​وقد جعل الله الأصل في العلاقة الزوجية هو السكن والنفس الطويل القائم على المودة والرحمة،   فقال سبحانه: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً» [الروم: 21]. فالبيوت تُبنى على الرحمة حين تغيب المودة، وعلى الصبر حين تعصف الأزمات. وفي هذا السياق، وضع الإسلام حدوداً صارمة للتعامل عند الشقاق، فنهى الرجل عن إمساك المرأة بقصد الإضرار بها أو الانتقام منها، وجعل التسريح بإحسان هو البديل الشرعي عند استحالة العشرة؛   فقال ت...

وهم الحب وميثاق المودة

صورة
  هل بيوتنا مبنية على وهم الحب أم على ميثاق المودة حقيقة النفس الإنسانية بين وهم الحب العابر وميثاق المودة والرحمة ​ عبودية الهوى وانفلات النفس ​الحمد لله الذي جعل في شرعه عصمةً للقلوب، ومنهاجاً يحمي الأسرة والمجتمع من عواصف الأهواء، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والمودة، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه بيقين وإحسان..  ​أيها الأحبة في الله، إن المحرك الأساسي لحواس الإنسان ورغباته هو "النفس"؛ هذه النفس التي إن تُرِكت بلا زمام ولا خطام، طمحت إلى نيل كل شيء بلا قيود ولا حدود. إنها تبحث عن حريتها المزعومة ولو كان فيها هلاكها، فتنسلخ من القيم والأخلاق—بعلم أو بجهل—فقط من أجل إشباع رغبة شخصية عابرة. ​لقد حذرنا المولى عز وجل من خطورة تغليب هوى النفس وجعلها إلهاً يُعبد من دون الله، فقال تعالى في محكم التنزيل: ​﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43] ​وعندما تغيب الركيزة الأساسية—وهي التمييز بين الحق والباطل، والإنصاف مع أنفسنا أولاً—يحدث الانفلات، ويُسمّى الانصياع للشهوات زيفاً باسم "الحرية الشخصية".   النفس وتلوين الحقائق...

وهم الحرية المطلقة

صورة
  وهم الحرية المطلقة   والفرق بين من يعيش لله ومن يعيش لهواه. أما حين تُرفع عبارة "نعيش مرة واحدة" شعارًا لتبرير كل شهوة، وتُتخذ ذريعة لتجاوز حدود الله، فإنها تصبح انعكاسًا لحالة من الغفلة عن الآخرة وعن حقيقة المصير. فصاحب هذا الفكر ينظر إلى الحياة من زاوية ضيقة لا تتجاوز لذة اللحظة الحاضرة، وكأن الموت نهاية المطاف وليس بداية الحساب والجزاء. إن النفس البشرية إذا تُركت لأهوائها بلا ضابط لا تعرف الشبع ولا تعترف بالحدود، فكلما نالت شهوة طلبت أخرى، وكلما أُشبعت رغبة تولدت رغبات جديدة. ولهذا لم يجعل الله اتباع الهوى طريقًا للسعادة، بل جعله سببًا للضلال، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فالإنسان الذي يجعل غايته إرضاء نفسه في كل ما تشتهي، سرعان ما يجد نفسه أسيرًا لها بعد أن ظن أنه حر، ومنقادًا لرغباتها بعد أن ظن أنه يملك زمام أمره. ولو استحضر هذا الإنسان أنه مخلوق للعبادة، وأنه راجع إلى ربه لا محالة، وأن وراء هذه الحياة حسابًا دقيقًا على الأقوال والأفعال، لما جعل من عبارة "نعيش مرة واحدة" جسرًا يعبر به إلى المعصية، بل لجعلها دافعًا ...

فخ إننا نعيش مرة واحدة

صورة
  فخ "المرة الواحدة"..  كيف تحولت دعوة الحياة إلى وهم الضياع؟   فخ "إننا نعيش مرة واحدة" عبارة رنانة تتردد كثيراً في زماننا، وتتصدر منصات التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت عند بعض الناس فلسفة حياة وشعاراً يبررون به اختياراتهم وسلوكياتهم، وهي قولهم: "إننا نعيش هذه الحياة مرة واحدة فقط". تبدو هذه العبارة في ظاهرها دعوة إلى اغتنام العمر والاستفادة من الفرص قبل فوات الأوان، لكنها في كثير من الأحيان تُستعمل لتبرير الانفلات من الضوابط الشرعية والأخلاقية، وكأن الإنسان لم يُخلق إلا ليستجيب لكل رغبة تعنّ له وكل شهوة تدعوه. ولو تأمل العاقل في هذه المقولة قليلاً لوجد أنها تحمل جزءاً من الحقيقة وتُخفي الجزء الأهم منها؛ فنعم، نحن لن نعيش هذه الحياة الدنيا مرتين، ولكن هل تنتهي القصة عند حدود الدنيا؟ وهل الموت هو النهاية المطلقة كما يتوهم البعض؟ إن القرآن الكريم يجيب عن هذا السؤال بوضوح حين يقول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. فالإنسان لم يُخلق عبثاً، ولم يُترك سدى، بل خُلق لغاية عظيمة، وسيسأل ...