الورد القرآني


 

الورد القرآني

 سُقيا الأرواح وربيع القلوب

تتعدد الأنشطة التي يمارسها الإنسان في يومه، غير أن هناك لقاءً خفيًا يبقى أصدقها أثرًا وأعمقها حضورًا، وهو ما اصطلح عليه المسلمون بـ "الورد"؛ ذلك النصيب اليومي من القرآن الذي لا يُقصد به مجرد القراءة، بل الارتواء.
فالورد في أصل اللغة هو الماء الذي يُقصد للشرب، كما قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ}، ومن هذا المعنى كان ورد التلاوة سُقيا للقلوب، إذ لا تحيا الأرواح إلا بما يحييها، ولا شيء أصدق في إحيائها من كلام الله. وقد شبّه النبي ﷺ حال المؤمن مع القرآن تشبيهًا بليغًا، فقال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة؛ ريحها طيب وطعمها طيب" (متفق عليه)، إشارة إلى أن أثره يتجاوز التلاوة ليشمل القلب والظاهر.
غير أن هذا الورد لا يُنال دفعة واحدة، بل يمرّ العبد فيه بمجاهدة؛ إذ تثقل النفس في بداياته، وتميل إلى ما اعتادته من الانشغال، غير أن من صبر على هذا الثقل، انقلب في حقه أُنسًا، وتحوّل الاعتياد إلى تعلق، حتى يصبح الورد جزءًا لا يستقيم اليوم إلا به. وهذا هو سر الطريق، أن تُلازم القليل حتى يفتح لك باب الكثير، وقد قال ﷺ: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".
ثم يترقى العبد بعد ذلك إلى حالٍ يجد فيه القرآن موطن سكينته، فإذا غاب عنه شعر بنقصٍ في يومه، وإذا عاد إليه وجد طمأنينةً تملأ صدره، تحقيقًا لقوله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. ولم يكن هدي النبي ﷺ إلا تأكيدًا لهذا المعنى، إذ كان يحافظ على ورده، حتى إن فاته قضاه، فقال: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل" (رواه مسلم).
وهكذا يتبين أن الورد ليس عملاً عابرًا، بل صلة دائمة، وأن قيمته ليست في كثرته، بل في ثباته، فمن جعل لنفسه وردًا لا يقطعه، فكأنما جعل لقلبه موردًا لا ينضب. فالقلوب، وإن قست، تلين إذا سُقيت، وإن أظلمت، أشرقت إذا اتصلت بالقرآن.



دربنا في الحياة

تعليقات