فخ إننا نعيش مرة واحدة


 

فخ "المرة الواحدة".. 

كيف تحولت دعوة الحياة إلى وهم الضياع؟


 فخ "إننا نعيش مرة واحدة"


عبارة رنانة تتردد كثيراً في زماننا، وتتصدر منصات التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت عند بعض الناس فلسفة حياة وشعاراً يبررون به اختياراتهم وسلوكياتهم، وهي قولهم: "إننا نعيش هذه الحياة مرة واحدة فقط". تبدو هذه العبارة في ظاهرها دعوة إلى اغتنام العمر والاستفادة من الفرص قبل فوات الأوان، لكنها في كثير من الأحيان تُستعمل لتبرير الانفلات من الضوابط الشرعية والأخلاقية، وكأن الإنسان لم يُخلق إلا ليستجيب لكل رغبة تعنّ له وكل شهوة تدعوه.
ولو تأمل العاقل في هذه المقولة قليلاً لوجد أنها تحمل جزءاً من الحقيقة وتُخفي الجزء الأهم منها؛ فنعم، نحن لن نعيش هذه الحياة الدنيا مرتين، ولكن هل تنتهي القصة عند حدود الدنيا؟ وهل الموت هو النهاية المطلقة كما يتوهم البعض؟ إن القرآن الكريم يجيب عن هذا السؤال بوضوح حين يقول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. فالإنسان لم يُخلق عبثاً، ولم يُترك سدى، بل خُلق لغاية عظيمة، وسيسأل بين يدي خالقه عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن أعماله كلها صغيرها وكبيرها.
ومن هنا كان الخطر الحقيقي في هذه العبارة عندما تُقتطع من سياق الحقيقة الكاملة، فتتحول من دعوة إلى استثمار العمر فيما ينفع إلى دعوة خفية لإهدار العمر فيما يضر.
حقيقة الدنيا: محطة مؤقتة لا دار قرار
إن الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها هي أننا نعيش في هذه الدنيا حياة واحدة، لكن هذه الحياة ليست إلا مرحلة قصيرة من رحلة أطول وأعظم. فالدنيا في ميزان الإسلام ليست دار إقامة دائمة، وإنما هي دار ابتلاء واختبار، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
لقد أخبرنا الله سبحانه أن هذه الحياة مهما طالت فهي قصيرة، وأن ما بعدها هو الحياة الحقيقية الدائمة، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]، أي الحياة الكاملة الحقيقية التي لا موت بعدها ولا فناء.
وكان النبي ﷺ يرسخ هذا المعنى في قلوب أصحابه، فيقول: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» رواه البخاري. فالمؤمن يعلم أنه مسافر إلى ربه، وأن الدنيا ليست سوى محطة يتزود منها بالتقوى والعمل الصالح. لذلك كان السلف الصالح ينظرون إلى الأيام والسنين على أنها رأس مال الإنسان الحقيقي؛ فكل يوم يمضي يقربه من لقاء الله، ويطوي صفحة من عمره لا يمكن أن تعود أبداً.
ولو أدرك الناس هذه الحقيقة لما جعلوا الدنيا أكبر همهم، ولما باعوا نعيم الآخرة الدائم بلذات عابرة تنقضي سريعاً، ويبقى حسابها وآثارها.
وهم الحرية المطلقة: عندما يصبح الإنسان أسيراً لشهواته
إن الإنسان عندما يطلق العنان لشهواته بلا حدود لا يصبح حراً كما يظن، بل يتحول إلى عبد لهواه. فالشهوة لا تعرف الاكتفاء، وكلما استجاب لها صاحبها طلبت المزيد. ولهذا قال الله تعالى عن النفس: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53].
والعجيب أن كثيراً ممن يرفعون شعار الحرية المطلقة يعيشون في قلق واضطراب رغم توفر أسباب المتعة المادية عندهم، لأن القلب لا يطمئن إلا بالقرب من الله. وقد بيّن الله هذه الحقيقة بقوله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
أما المؤمن فيدرك أن الحرية الحقيقية ليست في اتباع الشهوات، وإنما في التحرر من سلطانها، وفي القدرة على كبح النفس عندما تدعو إلى المعصية. ولذلك جعل الإسلام مجاهدة النفس من أعظم أبواب الفلاح، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40-41].
إن الإنسان المكرم بالعقل والوحي لا يليق به أن ينحدر إلى مستوى الانقياد الأعمى للشهوة، بل شُرّف ليكون سيداً لنفسه، موجهاً لها نحو ما يرضي الله وينفعه في دنياه وآخرته.
الوعي بالموت والآخرة: البوصلة التي تعيد التوازن
إن سبب كثير من الانحرافات الفكرية والسلوكية هو الغفلة عن حقيقة الموت والوقوف بين يدي الله. فالإنسان إذا طال أمله ونسي آخرته استسهل المعصية، واغتر بالدنيا، وظن أن الفرصة ما زالت طويلة أمامه. لكن الحقيقة أن الموت يأتي بغتة، لا يفرق بين صغير وكبير، ولا بين غني وفقير.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].
وكان رسول الله ﷺ يحث على تذكر الموت وعدم الغفلة عنه، فقال: «أكثروا ذكر هادم اللذات» رواه الترمذي. وليس المقصود من تذكر الموت نشر التشاؤم أو اليأس، وإنما إيقاظ القلب من الغفلة، حتى يعرف الإنسان قيمة وقته وعمله.
فلو استحضر المرء أنه قد يلقى الله في أي لحظة، وأنه سيقف وحده بين يديه لا ينفعه مال ولا جاه ولا شهرة، لأعاد ترتيب أولوياته، ولحرص على أن تكون حياته شاهدة له لا عليه. حينها يدرك أن العمر فرصة ثمينة للطاعة والإصلاح والإحسان، لا ميداناً للعبث وإضاعة الأوقات.
نعم، نحن نعيش هذه الحياة الدنيا مرة واحدة، ولكننا لا نموت إلا لنبدأ حياة أخرى هي الأبقى والأدوم. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين المؤمن وغيره؛ فالمؤمن يرى عمره فرصة وحيدة لرضا الله وإعمار الأرض والاستعداد للقاء ربه، أما الغافل فيراه فرصة وحيدة لإشباع الشهوات واتباع الأهواء.
فإذا كانت الدنيا مرة واحدة حقاً، فالأجدر بالعاقل أن يجعلها طريقاً إلى السعادة الأبدية لا سبباً للحسرة الأبدية. ومن وفقه الله لفهم هذه الحقيقة عاش حياته بوعي واتزان، فاستمتع بالمباحات، وأدى الحقوق والواجبات، وسار إلى ربه بقلب مطمئن، راجياً رحمته وخائفاً من عقابه، حتى يلقى الله وهو عنه راضٍ.

تكمن الخطورة الكبرى عندما تتحول مقولة "نعيش مرة واحدة" إلى ذريعة لفعل كل ما تشتهيه النفس دون ضابط أو وازع. فبعض الناس يظن أن الحرية تعني التحرر من أوامر الله ونواهيه، وأن السعادة تكمن في اتباع الهوى حيثما قاده. لكن القرآن الكريم يكشف حقيقة هذا المسلك بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].

الموضوع من الجانب النفسي و ديني عميق علي حسب الايمان و القضاء و القدر 

دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة