
هل بيوتنا مبنية على وهم الحب أم على ميثاق المودة
حقيقة النفس الإنسانية بين وهم الحب العابر وميثاق المودة والرحمة
عبودية الهوى وانفلات النفس
الحمد لله الذي جعل في شرعه عصمةً للقلوب، ومنهاجاً يحمي الأسرة والمجتمع من عواصف الأهواء، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والمودة، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه بيقين وإحسان..
أيها الأحبة في الله، إن المحرك الأساسي لحواس الإنسان ورغباته هو "النفس"؛ هذه النفس التي إن تُرِكت بلا زمام ولا خطام، طمحت إلى نيل كل شيء بلا قيود ولا حدود. إنها تبحث عن حريتها المزعومة ولو كان فيها هلاكها، فتنسلخ من القيم والأخلاق—بعلم أو بجهل—فقط من أجل إشباع رغبة شخصية عابرة.
لقد حذرنا المولى عز وجل من خطورة تغليب هوى النفس وجعلها إلهاً يُعبد من دون الله، فقال تعالى في محكم التنزيل:
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]
وعندما تغيب الركيزة الأساسية—وهي التمييز بين الحق والباطل، والإنصاف مع أنفسنا أولاً—يحدث الانفلات، ويُسمّى الانصياع للشهوات زيفاً باسم "الحرية الشخصية".
النفس وتلوين الحقائق وهم الحب
إن النفس الإنسانية تملك قدرة عجيبة على تلوين الأشياء؛ فهي تلعب دور "المُحب" لكل ما تشتهيه، سواء كان حلالاً أو حراماً، خيراً أو شراً. إنها تصف الشيء وتضفي عليه رداءً جميلاً بحسب ما يختلج في داخلها من رغبة.
وهنا نقع في مأزق "كلمة الحب" كما يتداولها الناس اليوم؛ لقد أصبحت هذه الكلمة عند الكثيرين مجرد "وصف مطاطي" وتعبير عابر وجامع لما يميل إليه القلب في لحظة ما. إن هذا الوصف البشري قد يزول في لحظة غضب أو عند تغير المصالح، لأنه نابع من تفسير الإنسان القاصر لغاياته.
وقد نبّهنا القرآن الكريم إلى أن الادعاء باللسان والوصف الخارجي لا قيمة له إن لم يكن نابعاً من حقيقة الاتباع والالتزام بالضوابط الشرعية، حتى في أسمى صور الحب وهو حب الله؛ حيث يقول الله تعالى داحضاً ادعاءات من خالفوا العمل:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]
فإذا كان الحب في أعلى مقاماته يحتاج إلى ضابط الاتباع والعمل، فكيف بحبٍّ بين بشرين يُبنى على مجرد العاطفة المتقلبة والنفس الأمارة بالسوء؟ إن الحب بلا إيمان يصبح مجرد "لعبة أوصاف" تنتهي عند أول مفترق طرق.
معجزة المودة والرحمة والاستقرار الزوجي
أيها الأخوة والأخوات، إن البيوت لا تُبنى على مصطلحات الحب العاطفية الزائلة وحده، بل بناها الله جل وعلا على ركيزتين عظيمتين تفوقان الوصف البشري: المودة والرحمة.
قال سبحانه وتعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]
إن المودة والرحمة نسيجٌ إيماني خالص، لا يعرفه إلا أهل التقوى والصبر والأخلاق العالية.
المودة: هي العنصر الأول، وهي الممارسة العملية للحب الصادق، الذي لا ظلم فيه ولا إجحاف.
الرحمة: هي الحصن المنيع الذي يلجأ إليه الزوجان عند فتور العواطف، وهي التي تدفع للصبر والاحتمال.
المودة والرحمة نتاجٌ للإيمان الفعلي بالله؛ فعندما تمتزج النفس بالإيمان، يصحُّ وصفها للحب، ويكون حبها صادقاً ممتداً وثابتاً، لأنه مرتبطة بالخالق لا بالمخلوق.
نداء العاطفة وهدم الأسر الطلاق اللحظي
كم هو مؤلم أن نرى اليوم بيوتاً تُهدم، وروابط أسرية تُشتت من جذورها، بسبب "لحظة تفكير نفسي أناني"!
يأتي الشيطان للإنسان في لحظة ضعف إيماني، فيزين له اتباع شهوة نفسه وتغليب راحته الفردية على حساب ميثاق غليظ، فيقدم على الطلاق—الذي وإن كان حلالاً في أصله عند استحالة العشرة—إلا أنه يهدم الأسرة ويدمر الأطفال ويترك أثراً سلبياً قاتلاً في المجتمع.
لماذا يضيع هذا الفضل في لحظة؟
بسبب قلة الإيمان:
وعدم استحضار معاني الصبر والتضحية.
بسبب الجهل بالحدود:
عمى النفس عن معرفة الحلال والحرام، والخير والشر.
بسبب غياب المودة الحقيقية:
التي أمر الله بها، وإحلال "الأنانية النفسية" مكانها.
إن الإنسان الذي يبيع ميثاق الزوجية من أجل نزوة أو رغبة في التغيير دون تفكير في العواقب، هو إنسان لم يتذوق حقيقة التقوى، ولم ينصف شريك حياته، بل أطاع نفسه التي تفتح بوابات الشرور كلها.
العودة إلى حصن التقوى
عباد الله، إن صيانة البيوت جهادٌ، وضبط النفس عن شهواتها وتقلباتها هو الجهاد الأكبر. لندرك جميعاً أن العلاقات الزوجية ليست ساحة لـ"تطبيق رغبات النفس بلا ضوابط"، بل هي عبادة وقربة إلى الله يُتقرب فيها بالصبر والاحتمال وبث المودة والرحمة.
فلنكن منصفين مع أنفسنا، ولنحكم عليها بالحق والباطل، ولنعلم أن الحب الصادق هو ما حفته تقوى الله، وما كان ثمرةً لإيمانٍ يفيض بالخير والعطاء.
نسأل الله تعالى أن يصلح بيوت المسلمين، وأن يربط على قلوب الأزواج بالمودة والرحمة، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
دربنا في الحياة
تعليقات
إرسال تعليق