متاحف الدنيا وموازين الآخرة


 

منصات الدنيا ...وموازين الآخرة


​إن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أشبه بـ "المتاحف المفتوحة" المتاحة لكل أحد؛ يدخلها من يشاء، ويعرض فيها ما يشاء دون قيود بشرية. لكن هذا المتاح في الدنيا، يختلف تماماً في ميزان الله سبحانه وتعالى؛ حيث لا يضيع عنده مثقال ذرة. ومن هنا وجب على كل قارئ وناشر أن يتنبه بدقة لما ينشره أو يتفاعل معه، ويميز بين الحلال والحرام، فالشاشة ليست عذراً لنسيان الرقابة الإلهية.
​انفصام "المحتوى" بين ظاهر الخير وباطن الفتنة
​بناءً على هذا المنظور، يمكن تقسيم الناشرين في هذا "المتحف الرقمي" إلى ثلاثة أصناف رئيسية:


​1. النشر الواعي والهادف أهل الخير والعمل

هذا الصنف واضح؛ ينشر آية، أو حديثاً، أو علماً ينتفع به، أو يروّج لعمله ورزقه. حتى وإن كان يقلد غيره، فهو يقلد في مساحات الخير البنّاءة. هدفهم واضح ورسالتهم مباشرة، وهذا هو الاستغلال الحلال والصحيح للمنصات.

​2. فتن الحروف والغموض النفسي

هنا تبدأ المنطقة الرمادية التي أشرت إليها بـ "الفتن بين الحروف". يكتب البعض كلمات غامضة، مبطنة بالوجع أو العشق أو الإسقاطات، كأنه يوجه رسائل مشفرة لا يعلم باطنها إلا الله. هذا النوع من النشر غالباً ما يكون مدفوعاً بـ:
​طلب الاهتمام الجارف: رغبة في دفع الآخرين للسؤال "ما بك؟" أو "من تقصد؟".
​التنفيس العشوائي: الذي يجرّ المتابعين إلى دوامات نفسية مظلمة دون فائدة، وقد يدخل في باب نشر النجوى المذمومة.

​3. التناقض البصري والمشاعري التجارة بالدين والقدر

هذا هو الجانب الأكثر خطورة، ويتمثل في صورتين ينبغي الحذر من حرمتهما:
​الالتزام الشكلي المزيف: تلك التي تريد إبراز جمالها وصورتها، لكنها تغلفها بغلاف "الالتزام" أو الحجاب لتبرير النشر. هنا تصبح العبادة أو الستر وسيلة لغاية أخرى وهي حصد "علامات الإعجاب"، وهو خلط خطير بين الحجاب والتبرج.
​دغدغة المشاعر على حساب "قدر الله": العبث بالوعي الديني من خلال اللعب على عواطف الناس في مسائل الرزق، الابتلاء، والقدر، بغرض جمع التفاعل والمشاركات؛ وهو نوع من الابتزاز العاطفي باسم الدين الذي قد يقدح في الرضا بالقدر.

خلاصة القول:

 "ضع ما تؤجر عليه ولا تكن قذر وتروج للشيطان دون علم وتظن أنك على خير". إنها "فتنة الطاعة الفاسدة"، حيث يوهم الشيطان الإنسان بأنه يفعل خيراً (يحصد متابعين، ينشر كلاماً جميلاً)، بينما هو في الحقيقة يغذي (الأنا وحب الذات) لديه، وينشر طاقة سلبية أو تبرجاً مبطناً أو وعياً مشوهاً.
​منصات التواصل اليوم في "قمة الطمع" البشري؛ طمع في الشهرة، وطمع في المال، وطمع في القبول. والذكي هو من يملك "وعي المسافة" ويراقب الحلال والحرام، فيزن كل حرف وصورة قبل نشرها بميزان: هل هذا لي أم عليّ غداً بين يدي الله؟


دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة