مكانة المرأة في الإسلام


 

مكانة المرأة في الإسلام... 
       لماذا جعل الله لها هذا الأجر العظيم؟


​بعد الحديث في الفصول السابقة عن الطلاق والخلع، وأسباب التسرع في هدم بعض البيوت، قد يظن بعض الناس أن الكلام موجه ضد المرأة أو ينتقص من قدرها، وهذا فهم بعيد كل البعد عن حقيقة الإسلام.
​فالإسلام لم يأتِ ليحارب المرأة، بل جاء ليكرمها، ويرفع شأنها، ويحفظ حقوقها، ويجعل لها من المكانة ما لم تعرفه أمم كثيرة قبل الإسلام. ولهذا، فإن الحديث عن بعض الأخطاء التي تقع فيها بعض النساء لا يعني أبدًا اتهام جميع النساء، كما أن الحديث عن ظلم بعض الرجال لا يعني اتهام جميع الرجال؛ فالحق يُقال للجميع، والعدل أساس الشريعة. وحين يقرأ الإنسان القرآن والسنة بعيدًا عن الأحكام المسبقة، يدرك أن الإسلام لم يجعل المرأة تابعًا للرجل، ولم يحرمها حقها، بل كرمها بنتًا، وأختًا، وزوجةً، وأمًّا.
​المرأة والرجل أمام الله
​قرر القرآن الكريم قاعدة عظيمة وميزانًا ثابتًا للعدل الإلهي لا يجوز أن يُنسى، حيث تذوب فيه الفوارق الجندرية أمام ميزان التقوى؛ فالمرأة والرجل سواء في أصل التكليف، وسواء في الثواب والعقاب.

​قال الله تعالى:
​﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
​وقال سبحانه:
​﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].

​فليس التفاضل بينهما بالذكورة أو الأنوثة، وإنما بالتقوى والعمل الصالح.

​المرأة أمانة عظيمة

جعل الإسلام المرأة بنتًا تُكرم، وزوجة تُصان، وأمًا يُبرُّ بها، ولم يجعلها سلعة ولا وسيلة للمتعة المؤقتة، بل جعل برّها والإحسان إليها من أعظم القربات إلى الله.
​تأمل كيف قدم النبي ﷺ الأم في البر حين سأله رجل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟
قال: «أمك»
قال: ثم من؟
قال: «أمك»
قال: ثم من؟
قال: «أمك»
قال: ثم من؟
قال: «ثم أبوك».
​فأي تكريم أعظم من أن تُقدم الأم ثلاث مرات في التوجيه النبوي تأكيدًا على فضلها وعظيم تضحيتها؟

أبواب الجنة مفتوحة للمرأة

ومن أعظم ما يبعث الطمأنينة في قلب المرأة المؤمنة، أن الله لم يجعل طريق الجنة معقدًا عليها، ولا كلفها بما لا تطيق، بل فتح لها أبوابًا عظيمة بأعمال يسيرة في أصلها، جليلة في أثرها.

قال رسول الله ﷺ:
​«إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت.»


​تأملي هذا الفضل العظيم والبشارة النبوية؛ عبادات مفروضة (الصلاة والصيام)، وعفة وطهارة، وحسن عشرة وطاعة للزوج في المعروف.. ثم تكون المكافأة أن يقال لها: "ادخلي الجنة من أي أبوابها شئت". فكم من امرأة تضيع هذه البشارة الغالية بسبب لحظة غضب، أو عناد، أو استجابة لهوى عابر وثقافة دخيلة؟

ليست الطاعة ذلًا... وإنما عبادة

​من المفاهيم المغلوطة التي انتشرت في هذا العصر تصوير طاعة الزوج في المعروف وكأنها انتقاص من كرامة المرأة أو قيد يمحو شخصيتها. وهذا فهم بعيد تمامًا عن هدي الإسلام.

​فالطاعة التي أمر بها الشرع ليست طاعة في معصية، ولا قبولًا بالظلم والمهانة، وإنما هي تنظيم وودّ وتعاون على إقامة الأسرة. وكما أن على الزوجة واجبات، فإن الله أمر الزوج في المقابل بحسن المعاشرة، والعدل، والإنفاق، والرحمة.
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. وبقيام كل واحد منهما بحقه تستقيم الحياة.

المرأة الصالحة... كنز لا يقدَّر بثمن

قال الله تعالى:
​﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34].
​وقال النبي ﷺ:
​«الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة.» [رواه مسلم].

​فالمرأة الصالحة ليست من لا تخطئ، وإنما هي التي تجعل رضا الله فوق غضبها، وتحفظ بيتها، وتصون زوجها في حضوره وغيابه، وتجتهد في الإصلاح إذا وقع الخلاف. هي ليست مجرد زوجة، بل هي مدرسة، ومربية أجيال، وصانعة رجال، وحصن للأسرة؛ ومن رحم النساء الصالحات خرج العلماء، والقادة، والمصلحون الذين غيروا وجه التاريخ.

قدوات خالدة لا تموت

​عندما يتحدث الناس اليوم عن المشاهير والمؤثرات في عالم الشاشات، ينبغي ألا تنسى المرأة المسلمة قدواتها الحقيقية اللاتي خلد القرآن والسنة ذكرهن، ولم تبلغ هذه النماذج منزلتها لأنها عاشت بلا ابتلاء، بل لأنها واجهت الابتلاء بالإيمان والصبر:

​خديجة بنت خويلد: آمنت بالنبي ﷺ حين كذبه الناس، وواسته بمالها ونفسها حين خذله الناس، فكانت السند الأعظم في أشد المحن.
​فاطمة بنت محمد: كانت مثالًا ناصعًا للحياء، والزهد، والصبر، والرضا بمشاق الحياة.
مريم بنت عمران: ضرب الله بها المثل في الطهر، والعفة، والإيمان المطلق بكلمات ربها.
​آسية بنت مزاحم: ثبتت على الإيمان وتحدت أعظم طاغية على وجه الأرض، فاشترت جوار الله.
أسماء بنت أبي بكر: صبرت على مشقة الحياة وضيق ذات اليد، وأسهمت في بناء أسرة خرج منها العلماء والقادة.

هذه النماذج لم تُخلَّد لأنها كانت أجمل النساء أو أغناهن، بل لأنها كانت أقربهن إلى الله وأكثرهم ثباتًا.

بين الحق والواجب... والحرية والمسؤولية

من الخطأ الجسيم في الخطابات المعاصرة أن يُختزل الحديث عن المرأة في الواجبات فقط، كما أن من الخطأ أن يُختزل في الحقوق فقط. فلها حقوق لا يجوز للرجل أن يظلمها فيها، وعليها واجبات لا يجوز لها أن تفرط فيها. فإذا اختل أحد الجانبين، اضطربت الحياة الزوجية كلها. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]. فهذا هو ميزان الإسلام: حقوق تقابلها واجبات، وعدل يقابله عدل.

​كذلك، فإن بعض الأطروحات تحاول تصوير الزواج وكأنه سجن، والأسرة وكأنها عائق أمام تحقيق الذات؛ لكن الحرية الحقيقية ليست التحرر من المسؤولية الفطرية والشرعية، بل هي التحرر من الهوى والمعصية. والمرأة المؤمنة لا تنظر إلى بيتها كقيد، ولا إلى زوجها كخصم في حلبة صراع، بل ترى الأسرة أمانة، وعبادة، ومسؤولية تُثاب عليها.

لماذا نخاطب المرأة هنا؟

​قد يسأل سائل: إذا كانت المرأة بهذه المنزلة العظيمة، فلماذا التركيز على نصحها وتوجيه الخطاب إليها في هذا الموضع؟

والجواب: لأن من أعطاه الله مكانة عظيمة وأثرًا بالغًا، كانت مسؤوليته أعظم وأكبر. فالمرأة ليست عنصرًا هامشيًا في الأسرة، بل هي قلب البيت النابض، ومصدر السكينة، ومدرسة الأبناء الأولى. وإذا صلحت المرأة واستقرت نفسيًا وإيمانيًا، صلح صمام أمان العائلة كلها. ولهذا كان خطاب الوحي يركز على دورها المحوري في بناء المجتمع أو هدمه.

​رسالة إلى المرأة المسلمة

​يا أختي المؤمنة... يا من أكرمكِ الله بالإسلام ورفع قدركِ..
لا تجعلي ثقافة هذا العصر القائمة على المقارنات، والمظاهر، والشاشات تنسيكِ مكانتكِ العالية عند الله، ولا تنزَع منكِ هذا الشرف. ولا تجعلي كلمة تُقال في وسائل التواصل، أو رأيًا عابرًا من "مؤثرة" جاهلة، أو لحظة غضب وعناد، سببًا في هدم بيتٍ ربما كان بقاؤه خيرًا لكِ ولأولادكِ، ويمحو سنوات من المعروف.
​واعلمي أن الصبر ليس ضعفًا، والإصلاح ليس هزيمة، والتغافل عن الزلات ليس نقصًا في الكرامة، بل هو شيم الكبار ومن أعظم أسباب رضا الله وعونه.
​وتذكري دائمًا قول الله تعالى:
​﴿فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

فكم من امرأة صبرت وتغافلت، فرأت بعد سنوات أن ذلك الصبر كان مفتاحًا لسعادة أسرتها، وصلاح أبنائها، وراحة قلبها. وكم من بيتٍ نجا من الانهيار والشتات لأن أهله اختاروا طريق الإصلاح والتغافر بدل الفراق والعناد.



​الفصل الخامس
​الضحية الصامتة... عندما يدفع الأبناء ثمن قرارات الكبار
​من يدفع الثمن؟


دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة