الأب العمود والقدوة


 


الأب: العمود والقدوة


لم يجعل الإسلام الأب مجرد منفقٍ على أسرته، ولا حصر مكانته في توفير الطعام واللباس والمسكن، بل جعله راعيًا، ومربيًا، وقدوةً، وقائدًا للأسرة يقيمها على الإيمان والأخلاق. فالأب هو أول رجل تعرفه البنت، ومنه تتكون في نفسها معاني الرجولة والرحمة والهيبة والغيرة، وهو أول قدوة يراها الابن فيتعلم منه الصدق والشجاعة وتحمل المسؤولية، أو يتعلم منه - إن غابت القدوة - عكس ذلك.
قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته» (متفق عليه). فهذا الحديث يبين أن مسؤولية الأب ليست مالية فقط، بل هي مسؤولية إيمانية وتربوية وأخلاقية، سيُسأل عنها بين يدي الله تعالى.
ومن أعظم مظاهر الخلل في هذا العصر اختزال دور الأب في دور "الممول" أو "الصراف الآلي"، حتى أصبح بعض الآباء يظن أنه أدى واجبه بمجرد توفير المال، بينما يغيب عن أبنائه أيامًا طويلة، وإن حضر بينهم كان حاضر الجسد غائب القلب، منشغلًا بهاتفه أو شاشته، لا يسمع أبناءه ولا يجالسهم ولا يوجههم. ومع مرور الزمن يكبر الأبناء وهم يفتقدون القدوة، فتبحث البنت عن الاهتمام خارج بيتها، ويبحث الابن عن نموذج يقلده في الشارع أو بين مشاهير وسائل التواصل.
إن التربية لا تُشترى بالمال، ولا تُعوَّض بالهدايا، وإنما تُبنى بالمجالسة، والحوار، والاحتواء، والقدوة الصالحة. فكم من أبٍ قليل المال، لكنه ربّى رجالًا ونساءً صالحين لأنه كان حاضرًا بإيمانه وأخلاقه، وكم من أبٍ واسع الثراء، لكنه خسر أسرته حين ظن أن المال يغني عن التربية.
ولهذا كان صلاح الأب من أعظم أسباب صلاح الأسرة، فإذا استقام على طاعة الله، وعامل زوجته بالمعروف، وربّى أبناءه بالحكمة والرحمة، أورثهم أخلاقه قبل كلماته. أما إذا غابت القدوة، وضعفت المتابعة، وترك الأبناء لتربيهم الشاشات والمجتمع، فلا ينبغي أن نتعجب من ظهور أجيال تفتقد الثبات، لأن القدوة التي تبني النفوس قد غابت أو ضعفت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة