الأم المدرسة والقلب وصانعة الأجيال



 

الأم: المدرسة والقلب وصانعة الأجيال


​لقد جعل الله تعالى للأم مكانة عظيمة؛ فهي أول من يحتضن الطفل، وأول من يغرس في قلبه الإيمان والرحمة والحياء. ولذلك لم تكن الأم في الإسلام مجرد راعية لشؤون البيت أو موفرة للطعام واللباس، بل هي المدرسة الأولى التي يتخرج منها الرجال والنساء الصالحون. فإذا امتلأ قلب الأم بالإيمان والوعي، انعكس ذلك على أبنائها، وصَلُح جانب عظيم من الأسرة والمجتمع؛ مصداقاً لقول الشاعر حافظ إبراهيم:

الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها ... 

                           أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراقِ

التربية والأمانة في القرآن والسنة


​لقد عظم القرآن الكريم شأن الوالدين، وبيّن أن طاعتهما وبرهما ينبعان من إدراك الأبناء لفضل التربية والتضحية؛
 قال الله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: 14].

​وجاء الأمر الإلهي صريحاً بحماية الأسرة وتوجيهها،
 فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]
وفي تفسيرها قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "علِّموهم وأدِّبوهم". وهذا الخطاب يشمل الأب والأم معاً، فكلٌّ منهما مسؤول عن صياغة أخلاق أهل بيته.
​وقد أكد النبي ﷺ هذه المسؤولية المشتركة بقوله:
«والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها» (متفق عليه).
​وحتى تؤدي الأم هذه الرسالة العظيمة في بيئة مستقرة، وجّه القرآن الكريم النساء إلى استشعار قيمة البيوت كعقر دار للتربية والعفة.
 فقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ...﴾ [الأحزاب: 33]؛ 
حيث بيّن أهل التفسير أن المعنى يكمن في لزوم البيوت وجعلها موطناً للاستقرار والقيام بحقوق الأسرة، وليس المقصود منع المرأة من الخروج المشروع، وإنما تأكيد أن أصل رسالتها الأسرية هو العناية ببيتها وتربية أبنائها.

تحديات العصر الرقمي وإهمال التربية
​من أعظم مظاهر الخلل في هذا العصر

 أن بعض الأمهات انشغلن بالمظاهر، ومقارنات وسائل التواصل الاجتماعي، والاندفاع وراء الاستهلاك والترفيه، مما أضعف رسالتهن التربوية. وليس المقصود هنا التعميم، فهناك أمهات صالحات يقمن بأعظم رسالة، ولكن الحديث عن ظاهرة تستحق التنبيه؛ فحين تغيب الأم عن التربية ،ولو كانت حاضرة بجسدها في البيت ،يصبح الهاتف هو المربي، والمنصات الرقمية هي المعلم، والمشاهير هم القدوة، فيضيع من الأبناء قيم كثيرة.
​وفي هذا السياق، 

يقول ابن القيم رحمه الله
​"وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبَل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه."

مقياس الأمومة الحقيقي

​إن الأم لا تُقاس بعظمة بيتها، ولا بكثرة ما توفره من وسائل الراحة المادية، وإنما تُقاس بما تغرسه في قلوب أبنائها من عقيدة، وحياء، ورحمة، وصدق، وأمانة. فإذا اجتمع صلاح الأم وعنايتها مع صلاح الأب وتوجيهه، نشأ جيل يعرف ربه، ويحفظ دينه، ليكون لبنة صالحة وقوية في بناء مجتمعه.

دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة