العُري من الفطرة إلى الفتنة


 

العُري... من الفطرة إلى الفتنة


كيف نجح الشيطان في نزع لباس الحياء عن الإنسان؟


﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121].
هذه الآية ليست مجرد خبر عن أول معصية وقعت في تاريخ البشر، بل هي بيان لسنن الله في النفس الإنسانية. فما إن وقع آدم وحواء عليهما السلام في المعصية حتى ظهر أول أثر لها، وهو انكشاف العورة، ثم كان أول ما بادرا إليه هو سترها بورق الجنة. وهذا يدل على أن الستر ليس عادة اجتماعية ولا عرفًا متغيرًا، وإنما هو فطرة أودعها الله في الإنسان.

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: فلما أكلا من الشجرة ظهرت لهما عوراتهما بعدما كانت مستورة، فشرعا يخصفان عليهما من ورق الجنة.

وقال الإمام السعدي رحمه الله: وفي هذا دليل على أن ستر العورة أمر فطري، وأن كشفها مما تستقبحه الفطر السليمة.

وقال الإمام القرطبي رحمه الله: استدل العلماء بهذه الآية على وجوب ستر العورة، لأن آدم وحواء اجتهدا في سترها عند انكشافها.

ومن هنا قرر العلماء أن الستر موافق للفطرة، وأن كشف العورات مخالف لما جُبلت عليه النفوس السليمة.
ولكن القرآن لم يقف عند بيان أول المعصية، بل كشف أيضًا هدف الشيطان مع بني آدم، فقال سبحانه:
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: 27].
فهذه الآية تبين أن نزع اللباس وإظهار العورات من مقاصد الشيطان، وليس مجرد أمر عارض في قصة آدم. ولذلك خاطب الله جميع البشر بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾؛ 

لأن المعركة ما زالت مستمرة، ولكنها اليوم تُقدَّم بأسماء جديدة، مثل الحرية، والموضة، والتطور، والذوق الشخصي.
إن انتشار التبرج والعري في المجتمعات ليس دليلًا على الرقي، بل هو من آثار ضعف الإيمان وضعف الحياء واتباع خطوات الشيطان. فالحياء شعبة من الإيمان، وإذا ضعف الإيمان ضعف الحياء، وإذا ضعف الحياء سهل على الإنسان أن يكشف ما أمر الله بستره.

ولا يعني ذلك أن كل من وقع في التبرج نحكم عليه بمعصية معينة أو نعلم ما في قلبه، فالحكم على الأعيان ليس إلينا، وإنما نتحدث عن الظاهرة التي وصف القرآن طريقها وأسبابها.

لقد أصبحنا نرى في بعض الطرقات والشواطئ والأماكن العامة من اللباس ما لا يحقق مقصود الستر، حتى يجد كثير من المؤمنين مشقة في غض البصر امتثالًا لأمر الله، وهذا من آثار انتشار ثقافة التبرج، حتى صار المنكر مألوفًا، وأصبح المحتشم عند بعض الناس غريبًا.

وليس الخطاب موجَّهًا إلى النساء وحدهن، بل إلى الرجال أيضًا؛ فكما حُرِّمت على المرأة صور من التبرج، فقد نُهي الرجل عن كشف عورته، وعن التشبه بأهل الفسوق، وعن كل ما يثير الفتنة ويخالف الحياء. فالعفة خلقٌ مشترك بين الرجال والنساء.
ثم إن الحضارة لا تُقاس بكمية ما يُكشف من الجسد، وإنما تُقاس بسمو الأخلاق، وحفظ الكرامة، وتعظيم أوامر الله. ولو كان كشف الجسد تحضرًا، لما سارع آدم وحواء إلى ستر نفسيهما بعد المعصية، بل القرآن يبين أن الفطرة السليمة دفعتهم إلى الستر فورًا.

ولهذا فإن علاج هذه الظاهرة لا يكون بالقوانين وحدها، بل يبدأ بإحياء الإيمان في القلوب، وتعظيم الحياء، وتربية الأبناء على العفة، وغض البصر، والبعد عن تقليد الثقافات التي تجعل قيمة الإنسان في مظهر جسده لا في صلاح قلبه وعمله.
وبينا  الله هذا المعنى بقوله:
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26].
فاللباس الذي يستر الجسد نعمة، أما لباس التقوى فهو الذي يحفظ القلب، وإذا اجتمع ستر الظاهر مع تقوى الباطن، اكتملت كرامة الإنسان في الدنيا، وكان ذلك سببًا لرضا الله والفوز في الآخرة.

العلاج يبدأ من الجذور...
لن نعالج العري بمجرد تغيير الملابس، وإنما بمعالجة أسبابه:

.تعظيم مراقبة الله.
.اساس الزرع الاخلاق من الدين

 .تربية الأبناء على الحياء منذ الصغر..غرس قيمة العفة في الرجال والنساء..الابتعاد عن الإعلام الذي يزين الفاحشة.

تعظيم أوامر الله وعدم الاستهانة بصغائر الذنوب.
.تذكر أن الشيطان يبدأ بخطوة صغيرة حتى يصل بالإنسان إلى ما كان يستحي منه.



دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة