جحود الإحسان


 

جحود الإحسان... حين تُنسى سنوات الخير بسبب لحظة غضب

​أوردت السنة النبوية المطهرة نصوصاً وتوجيهات تشخّص أدواء النفوس وعيوب السلوك البشري؛ ومن أعمق هذه النصوص حديث صحيح كثيرًا ما يُساء فهمه، أو يُستغل في غير سياقه الصحيح. ونحن هنا نقف معه وقفة علمية منصفة، لنبين أن النصيحة النبوية لم تأتِ لذم جنس النساء، وإنما جاءت للتحذير من خصلة نفسية إذا وُجدت في المرأة هدمت بيتها ومحت أجرها، كما حذر النبي ﷺ الرجال في أحاديث أخرى من خصال مهلكة كالظلم، والقسوة، والتهاون في المسؤولية.

​قال رسول الله ﷺ:
​«ورأيت أكثر أهل النار النساء».
فقالوا: لِمَ يا رسول الله؟
قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط.» [متفق عليه].

حديث للتحذير... لا للانتقاص

قد يقرأ بعض الناس هذا الحديث فيظن -بفهم قاصر- أن الإسلام ينتقص من قدر المرأة، وهذا فهم مغلوط ومباين لأصول الشريعة.
​فالنبي ﷺ هو نفسه الذي قال في خطبة الوداع: «استوصوا بالنساء خيرًا»، وهو الذي قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وهو الذي بشّر المرأة الصالحة بالجنة وجعل طاعتها لزوجها وعفتها مفتاحاً لأي أبواب الجنة شاءت.
​فكيف يجتمع هذا التكريم العظيم مع ذلك الوعيد؟
الجواب: أن الحديث لا يعمم على كل النساء، بل هو خطاب وقائي وتحذيري من داء سلوكي خطير يكثر وقوعه عند الغضب والانفعال، وهو جحود الإحسان ونسيان المعروف.

ما معنى "يكفرن العشير"؟

العشير: هو الزوج المصاحب والمخالط.
​الكفر هنا: ليس الكفر المخرج من الملة (العياذ بالله)، بل هو "كفر النعمة" وجحود الحق لغةً وشرعاً.
​فقد يعيش الرجل سنوات طويلة من عمره ينفق، ويتعب، ويصبر على المتاعب لتأمين حياة كريمة لبيته، ثم يقع منه خطأ واحد أو تقصير عابر في لحظة ضيق، فتنطلق من لسان بعض النساء تلك الكلمة القاسية: "ما رأيت منك خيرًا قط".
​هذه الكلمة لا تمحو أثر المعروف من قلب الزوج وتكسر خاطره فحسب، بل هي في الحقيقة اعتراضٌ خفي على قضاء الله وقدره الذي جعل هذا الرجل سبباً في سترها ونفقتها وعشيرها في الحياة. فالعدل يقتضي أن يُذكر الخير والفضل كما يُذكر الخطأ والتقصير.

الربط بين الحديثين: عِظَم المقام والتحذير من النكران
​حين نجمع بين الأحاديث النبوية بوعي، نكتشف أن للرجل مقاماً كبيراً ومحورياً في مسيرة دخول المرأة إلى الجنة؛ فإما أن يكون بوابتها لرضوان الله، أو سبباً -بسبب جحودها لنعمته- في حرمانها.
​تأملي عِظم هذا الحق الذي يوضحه النبي ﷺ في حديث آخر:
«لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعِظم حقّه عليها».
​هذا الحديث لا يدعو لإذلال المرأة أو الحط من كرامتها، بل يُبين ميزان الحقوق وعظم المسؤولية في الشريعة؛ فالسجود غاية التذلل والتعظيم، ولما كان لا يكون إلا لله، فإن النبي ﷺ ضرب به المثل ليُفهم المرأة أن طاعة زوجها في المعروف وحفظ حقه هما امتداد لطاعة الله سبحانه.
​وهنا يتجلى لنا الربط الإيماني والتربوي العميق:
إن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوحى إلى نبيّه ﷺ برؤية "أكثر أهل النار من النساء" بسبب كفر العشير. لماذا؟ لأن الله هو الخالق الخبير بنفوس عباده، فأراد سبحانه أن يضع للبيت المسلم أساساً متيناً راسخاً لا يتصدع بالنكران.
​فعندما تقع المرأة في "جحود المعروف"، فهي لا تظلم زوجها كشخص فحسب، بل تتعدى على الترتيب الشرعي الذي وضعه الله لحفظ الأسرة. لقد جعل الله شكر الزوج من شكره سبحانه، وجعل جحود الزوج جحوداً لنعمته؛ فمن عجزت عن شكر المخلوق المقرّب الذي تراه صباح مساء ويقضي حاجتها، أوشكت أن يضعف شكرها للخالق سبحانه وتعالى، ومن هنا كان الذنب مهلكاً.

لماذا كان هذا الذنب شديدًا؟
​لأن البيوت لا تقوم على فرضية "الزوج المعصوم" أو "الزوجة الكاملة". كل ابن آدم خطاء، وجحود الإحسان يهدم المودة ويجلب النقمة والمقت.
​ولو حُوسب كل زوج على أول هفوة، أو عُوقبت كل زوجة على أول تقصير، لما بقي على وجه الأرض بيت قائم ولا زواج مستمر. ولهذا كان الاعتراف بالفضل المتبادل، والخوف من هذا الوعيد الرباني، هما صمام الأمان الإيماني الذي يمنع تصدع العائلة ويهزم نزغات الشيطان عند الغضب.
​قال الله تعالى:
​﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237].
​هذه الآية العظيمة، وإن وردت في سياق أحكام الطلاق والفراق، إلا أن ظلالها ممدودة على الحياة الزوجية القائمة من باب أولى؛ فإذا كان الله ينهانا أن ننسى فضل بعضنا ومواقفنا الجميلة ونحن نفترق، فكيف ننساه ونحن نعيش تحت سقف واحد؟
​جحود الإحسان... بداية انهيار البيوت
​كم من زوج بذل زهرة شباب عمره، وسهر الليالي، وتحمل مشاق العمل ليوفر لأسرته لقمة العيش وعشاً هادئاً، ثم بدر منه تقصير غير مقصود، فإذا بكل ذلك التاريخ الحافل بالأعطيات يتبخر من الذاكرة في ثوانٍ معدودة.
​إن هذا التحذير لا يعني أبداً أن الرجل منزه عن النقد، ولا يعني أن الزوجة مجبرة على قبول الظلم أو السكوت عن الأخطاء الجسيمة؛ وإنما يعني أن الإنصاف خلق إيماني أصيل. فالزوج الذي له أخطاء وهفوات، له أيضاً مواقف نبيلة وإحسان، والزوجة التي تقع في الهفوات، لها كذلك تضحيات جليلة؛ والإنصاف والتقوى يوجبان النظر إلى الصورة كاملة بجميع أبعادها، لا اختزال العمر كله في لقطة واحدة مشوشة.
​عندما يتكلم الغضب... يغيب العقل
​من أخطر مساوئ الغضب أنه يعمي البصيرة، ويجعل اللسان يطلق أحكاماً قطعية مطلقة ومدمّرة، مثل:
​"أنت أصلاً لا تحبني!"
​"لم أستفد منك شيئاً طوال حياتي!"
​"ما رأيت في بيتك يوماً جميلاً!"
​هذه الكلمات العنيفة قد تُقال في دقائق معدودة بدافع فورة الدم والانفعال، لكنها تترك ندوباً وجراحاً غائرة في نفس الزوج قد تحتاج لسنوات كي تلتئم، وربما تكون هي المسمار الأول في نعش الحياة الزوجية. ولذلك كان من الحكمة والشرع أن يُلجم الإنسان لسانه عند الغضب، ويؤخر نقاشه وعتابه حتى تبرد النفوس وتتحكم العقول.
​لا تجعلي الشيطان يمحو سنوات الخير
​يدخل الشيطان بين الزوجين متسللاً من ثغرة موقف صغير أو سوء تفاهم بسيط، فينفخ فيه ويكبّره، ويزين للمرأة سوء الظن، ويجعل الخطأ الواحد يبدو وكأنه دأب الرجل وتاريخه كله، حتى يوصلهما إلى قناعة الفراق واستحالة العشرة.
قال الله تعالى:
​﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: 53].

​ولهذا، فإن المؤمنة الواعية مأمورة بأن تدفع السيئة بالحسنة، وأن تستحضر شريط الذكريات الجميلة والمواقف الشهمة لزوجها لتطرد به نزغات الشيطان الأثيمة.

بين الإنصاف والهوى
​يا أختي الكريمة
... إن كنتِ تطلبين العدل، والرحمة، والرفق من زوجك -وهذا حقكِ- فكوني عادلة ومنصفة في حكمكِ عليه؛ اذكري إحسانه ومواقف شهامته كما تذكرين أوقات تقصيره، وتذكري أيام المودة والصفاء كما تتذكرين أيام الخلاف والجفاء. فليس من الوفاء والمروءة أن تُمحى سنوات الخير والستر بسبب موقف واحد أخطأ فيه، وليس من التقوى أن يُداس الفضل تحت أقدام العناد ولحظات الهوى المتقلبة.

ولكن... متى يكون الفراق حقاً؟
​وهنا من الأمانة العلمية والشرعية أن نضع بياناً وفصلاً مهماً: هذا الحديث الشريف لا يدعو المرأة مطلقاً للاستسلام للظلم القاهر، أو الصبر على الضرب، والإهانة، وتحمل الدياثة، أو ضياع الحقوق الأساسية وتضييع الدين.
​فإذا وُجد ضرر حقيقي مستدام، أو فسد الدين، أو استُنفدت كل وسائل الإصلاح واستحالت العشرة بالمعروف، فإن الإسلام شرع لها بوابات النجاة كطلب الطلاق أو الخلع وفق أحكامه وضوابطه الفقهية.
​إنما الوعيد الشديد في الحديث موجّه لمن تطلب الفراق في "غير ما بأس"؛ أي دون سبب شرعي معتبر، إنما تطلبه لمجرد غضب عابر، أو تأثراً بنصائح مسمومة من صديقات السوء أو "مؤثرات الشاشات"، أو طمعاً في تقليد ومقارنة أعمى بغيرها من البيوت.
​رسالة إلى كل زوجة
​قبل أن تنطقي بكلمة: "ما رأيت منك خيرًا قط".. توقفي لحظة واحدة واحبسي أنفاسكِ..
​تذكري أول يوم دخلتِ فيه بيتكِ والآمال المشرقة في عينيكِ.
​تذكري المواقف الجميلة، والضحكات المشتركة، والأيام التي كان يمرض فيها فتسهرين، أو تمرضين فيقلق.
​تذكري تعب السنين وجري زوجكِ في مناكب الأرض ليوفر لكِ ولأولادكِ حياة كريمة.
​تذكري نظرات أبنائكِ المعلقين بكما، والذين يستمدون أمانهم من تماسككما.
​تذكري قول ربكِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
​فالبيوت المسلمة لا يحفظها استجداء "الكمال" المطلق؛ لأن الكمال ليس من طبائع البشر، وإنما تحفظها التقوى، والعدل، والوفاء، وحفظ المعروف، وتجرع الغيظ، والتغافل الذكي عن الهفوات.. ومراقبة الله في السر والعلن.

​الفصل السابع
​الخلع... متى يكون حقًا، ومتى يتحول إلى ظلم؟



دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة