الاقتداء بعائشة رضي الله عنها


 

بين مقياس خير القرون وواقع اليوم

عودة إلى سر أمهات المؤمنين

انتشر في هذا العصر الاستدلال ببعض المواقف من سيرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كمسابقة النبي ﷺ لها أو خروجها معه في السفر، لتبرير أنماط من الترفيه والخروج التي أصبحت شائعة في زماننا. غير أن هذا الاستدلال يحتاج إلى نظرٍ منصف؛ إذ لا يصح أن يُقتطع موقفٌ واحد من حياة أم المؤمنين، ويُترك منهجها الكامل في الإيمان والحياء والعفة والزهد والرضا وطاعة الله ورسوله ﷺ. فمن أرادت أن تجعل عائشة رضي الله عنها قدوة لها، فلتنظر إلى حياتها كلها، لا إلى موقفٍ واحد يُستدل به دون سائر سيرتها. ومن هنا جاءت هذه المقارنة بين مقياس خير القرون وواقع اليوم؛ لنعرف حقيقة الاقتداء، وهل هو اتباع للدين كله، أم انتقاء لما توافقه الأهواء.

​إن المقارنة بين واقع المرأة المسلمة اليوم وما كانت عليه حرائر المسلمين في عصر خير القرون  وعلى رأسهن أمهات المؤمنين مثل عائشة رضي الله عنها  تُسلط الضوء على فجوة عميقة تحتاج إلى وقفة تدبّر ومراجعّة صادقة للنفس، خاصة ممن ينشدن التأسّي والاقتداء.

التأسّي الحقيقي أم الاقتداء الجزئي؟
​كثيراً ما يُستشهد بسيرة النبي ﷺ وأمهات المؤمنين لطلب الرفاهية أو الخروج، لكن عند عقد المقارنة المنصفة، نجد تفاوتاً كبيراً في المعايير والسلوكيات:

السكن والرضا: كانت حجرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ضيقة بسيطة، ومع ذلك كنّ أعظم الناس رضاً وسعادة. واليوم، نجد استثقالاً حتى للحجرة أو السكن البسيط، مع مطالبة مستمرة بالاستقلالية والرفاهية التي تتجاوز سعة الزوج.

الخروج والقرار في البيت: كان الأصل في عصر النبوة هو امتثال أمر الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33]. أما اليوم، فقد أصبح الخروج اليومي، والذهاب للشواطئ والمنتزهات لمجرد التسلية، سِمة بارزة حتى عند من يرتدين الجلباب.

​ من العفوية والستر إلى "عصر الصورة" والاستعراض
​تتجلى المفارقة الكبرى عند النظر في كيفية التعامل مع اللحظات الخاصة والترويح عن النفس:
​السباق النبوي والعفوية: عندما سابق النبي ﷺ عائشة رضي الله عنها، تم ذلك بعفوية تامة في مكان عام أثناء السفر، بعيداً عن أعين الناس وببساطة مطلقة دون تكلف أو ترتيبات، محاطاً بالستر التام والصحبة الآمنة.
​طغيان "عصر الصورة": في العصر الحالي، طغت وسائل التواصل الاجتماعي على اللحظات الخاصة. أصبحت الكثير من النساء يبحثن عن لقطات مثالية للعرض والوجاهة الاجتماعية ، مما أفقَد العلاقات عفويتها وبساطتها الصادقة التي تجسدت في قول النبي ﷺ: «هذه بتلك».

الحجاب والرقمية: امتلاء الحسابات بصور الفتيات  حتى بالجلباب أو النقاب يُنافي مقصود الشريعة من الحجاب وهو الستر وحجب الفتنة وليس استجلاب الأنظار.

أسباب التناقض والتحول الاجتماعي
​لم يأتِ هذا الواقع من فراغ، بل نتج عن ظواهر اجتماعية وفهم خاطئ للدين:

ضغط المجتمع والتقليد: تحول التبرج في الحفلات والأعراس إلى "مقياس اجتماعي" للأناقة، حيث تخشى بعض النساء النقد إذا التزمن بالستر الكامل في مجتمع يغلب عليه التكلف.

تأثير منصات التواصل: انتشرت ثقافة "الصورة المثالية" على إنستغرام، حيث رُبط الجمال بالزينة المبالغ فيها وإظهار المفاتن، فنُقلت هذه الثقافة من الشاشات إلى الواقع.

الفهم الخاطئ للمناسبات: اعتقاد بعض النساء أن الأفراح والمناسبات هي استثناء مؤقت يسقط فيه التكليف الشرعي بالستر، فتُتخذ فرصة للتعبير عن الفرح بالزينة الزائدة.

 مسؤولية الزوج: 

بين ثقافة الاتكال ضعف القوامة

​لا تقع المسؤولية على المرأة وحدها، بل يشاركها الزوج بقدر كبير:
ثقافة الاتكال: يتخلى بعض الأزواج عن دورهم في مرافقة زوجاتهم للمتنزهات بسبب الانشغال بالعمل أو الأصدقاء والمقاهي، فيتركون الزوجة تخرج بمفردها أو مع صديقاتها للترويح عن النفس، غائبين عن دور السند والمشارك.

ضعف القوامة والتوجيه: غياب النصح والتوجيه من بعض الأزواج، إما لضعف الوعي الديني، أو رغبة في تجنب الخلافات الزوجية حول موضوع اللباس والستر.

الوصف والواقع بين التزام الظاهر والغفلة
تتوزع أحوال النساء في واقعنا المعاصر بين صورتين؛ الأولى تتمثل في فئة التزمت بالظاهر واكتفت بارتداء الجلباب، غير أن واقعها العملي يشهد تناقضاً من خلال كثرة الخروج، وحب الاستعراض، والاشتراطات المادية الترفية. وفي المقابل، نجد فئة الغافلات اللاتي ابتعدن تماماً عن أحكام الدين ومقتضيات الحجاب سلوكاً ومظهراً، وهو واقع يستوجب الشفقة والدعاء لهن بالهداية.

العودة إلى المصدر: القرآن وخير القرون
​إن العلاج الناجع يكمن في الرجوع الصادق إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ:
​فهم روح الحجاب: الحجاب عبادة يُثمر الحياء، وليس مسباراً للموضة والظهور.
​إصلاح الباطن قبل الظاهر: الاقتداء بعائشة رضي الله عنها يكون بعلمها وحيائها وزهدها، وليس باقتطاع الحقوق وترك الواجبات.

إعادة تفعيل القوامة الراشدة: أن يعود الزوج مرافِقاً وموجّهاً وحامياً، يُروح عن أهله بالحلال وفي ظل الستر.

خلاصة القول
الموقف النبوي جعل الترويح محاطاً بالستر والصحبة الآمنة، بينما غاب الستر والعائل في بعض المظاهر المعاصرة. من أرادت أن تقيس نفسها بأمهات المؤمنين، فلتأخذ الدين كاملاً، حياءً في الباطن، وستراً في الظاهر، ورضاً بالميسور، وحرصاً على البيت والقرار.

النداء الإلهي من كتاب الله
​في النهاية، يجب أن نتذكر جميعاً أن هذه الضوابط والمقاييس ليست اجتهادات شخصية ولا قيوداً مجتمعية، بل هي أوامر صريحة من الله تعالى في كتابه الكريم، خاطب بها خير النساء ليكون المنهج واضحاً لكل من أرادت طريق الفلاح:
​فمن الذي أمر بالحجاب والستر؟ 

هو الله القائل:
​﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: 59).
​ومن الذي أمر بستر الزينة وحجب الفتنة؟ 

هو الله القائل:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: 31).
​ومن الذي أمر بالقرار في البيت وعدم التبرج؟

هو الله القائل:
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ (الأحزاب: 33).

إن من تبتغي التأسّي بأمهات المؤمنين وعائشة رضي الله عنها لا تكتفي بطلب الحقوق والترويح، بل تطبق كلام الله كاملاً: حياءً في الباطن، وستراً للزينة في الظاهر، ورضاً بالميسور، وحرصاً على القرار في البيت. نسأل الله أن يردنا إلى كتابه وسنة نبيه رداً جميلاً.



دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة