الاخلاق في الاسرة


 

الخلع متى يكون حقًا، ومتى يتحول إلى ظلم؟


الحمد لله الذي شرع لعباده ما يصلح دنياهم وأخراهم، وجعل شريعته قائمة على العدل والرحمة والحكمة، فلم يشرع حكمًا إلا لمصلحة، ولم ينه عن شيء إلا لما فيه من فساد وضرر. والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، الذي بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وبيّن للناس أحكام الزواج والطلاق والخلع، حتى لا يظلم أحدٌ أحدًا.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى الزواج آية من آياته العظيمة، وميثاقًا غليظًا، ولم يجعله مجرد علاقة مؤقتة تُبنى على العاطفة وحدها، فإذا ضعفت هُدمت، بل جعله رباطًا يقوم على الإيمان، والمودة، والرحمة، والصبر، والتضحية، وتحمل المسؤولية.
قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].
وقال سبحانه:
﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21].
قال الإمام السعدي رحمه الله  سمى الله عقد الزواج ميثاقًا غليظًا لعظم شأنه، ولما يترتب عليه من الحقوق والواجبات، فهو ليس عقدًا عاديًا، بل عهد مؤكد يجب الوفاء به.
ولهذا أمر الله الزوجين أن تكون حياتهما قائمة على المعروف،
 فقال سبحانه:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
وقال عز وجل:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228].
وقال رسول الله ﷺ:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.» رواه الترمذي.
وقال ﷺ:
«استوصوا بالنساء خيرًا.» متفق عليه.
فهذه النصوص كلها تبين أن الإسلام لم يبن الأسرة على الصراع بين الرجل والمرأة، ولا على غلبة أحدهما للآخر، وإنما على التعاون والتراحم والعدل.
ولكن لما كانت الحياة الدنيا دار ابتلاء، جعل الله الاختلاف بين الزوجين أمرًا قد يقع، ولم يجعل وقوع الخلاف دليلًا على فساد الزواج، بل جعل لكل مشكلة علاجًا، ولكل خلاف طريقًا للإصلاح.
قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].
فتأمل كيف قدم الله الإصلاح قبل الفراق، وجعل التحكيم بين الأسرتين وسيلة لحماية البيت المسلم من الانهيار.
ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس اليوم أصبحوا يقفزون مباشرة إلى الطلاق أو الخلع عند أول مشكلة، وكأن الصبر لم يعد خلقًا، وكأن الإصلاح لم يعد له مكان، وكأن البيوت أصبحت تُبنى لتُهدم عند أول خلاف.
وزادت وسائل التواصل الاجتماعي من تعقيد هذا الواقع، فأصبح بعض الناس ينشرون تفاصيل حياتهم الزوجية أمام الملايين، وتحولت أسرار البيوت إلى مادة للمشاهدة والتعليقات، بل أصبح بعض المؤثرين يشجعون على الانفصال أكثر مما يشجعون على الإصلاح، حتى ظن بعض الشباب والفتيات أن إنهاء الحياة الزوجية دليل على القوة أو الاستقلال، مع أن الشريعة جعلته آخر الحلول، لا أولها.
ومن أخطر ما يحزن القلب أن بعض النساء أصبحن يتأثرن بقصص بعضهن بعضًا، فإذا أعلنت امرأة طلاقها أو خلعها، وجدت من يصفق لها ويهنئها ويعتبر ذلك إنجازًا، دون أن يعلم حقيقة ما جرى داخل البيت، أو يفكر في الأبناء، أو في ضياع الأسرة، أو في عواقب القرار.
ولا نقول إن هذا حال جميع النساء، فكم من امرأة صابرة صالحة حفظت بيتها، وكم من امرأة ظلمت ولم تجد مخرجًا إلا الخلع الذي شرعه الله لها. كما أن في الرجال من يظلم ويقصر ويهدم بيته بيده. وإنما الحديث هنا عن ظاهرة بدأت تنتشر في بعض المجتمعات، وعن ثقافة تحتاج إلى مراجعة في ضوء القرآن والسنة.
إن الشيطان لا يفرح بشيء كما يفرح بتفريق الأسرة، لأنها أساس المجتمع، فإذا هُدم البيت ضاع الأبناء، وضعفت التربية، وتفرقت القلوب.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، فيجيء أحدهم فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا. ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نعم أنت.» رواه مسلم.
فتأمل كيف جعل إبليس أعظم نجاح لأعوانه أن يفرقوا بين الزوج وزوجته، لأن سقوط الأسرة ليس نهاية علاقة بين رجل وامرأة فحسب، بل قد يكون بداية لضياع الأبناء، وتمزق العائلة، وانتشار الأحقاد، وضعف المجتمع.
ومن هنا جاءت الشريعة حريصة على حفظ الأسرة، لكنها في الوقت نفسه لم تظلم المرأة، فإذا استحال استمرار الحياة الزوجية، ولم تنفع وسائل الإصلاح، شرع الله الخلع رحمة بها، وجعل له ضوابط حتى لا يتحول إلى وسيلة للهوى أو الاندفاع أو التأثر بكلام الناس.
ومن هنا كان السؤال الذي يناقشه هذا الفصل:
متى يكون الخلع حقًا مشروعًا أباحه الله رحمةً بالمرأة؟ ومتى يتحول إلى ظلم للأسرة، وإلى قرار متسرع تهدم به البيوت وتضيع به الأجيال؟
الخلع... رحمة من الله، لا وسيلة لهدم الأسرة
قال الله تعالى:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229].
تأمل كيف جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن أحكام الأسرة، فالله سبحانه لم يغلق باب الخلاص إذا استحالت الحياة بين الزوجين، ولم يجبر المرأة على البقاء في حياة لا تستطيع إقامة حدود الله فيها، بل فتح لها باب الخلع رحمةً بها، وفي الوقت نفسه وضع لهذا الباب ضوابط حتى لا يتحول إلى وسيلة لهدم البيوت عند كل خلاف.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "إذا خافت المرأة ألا تؤدي حق زوجها، أو كرهته كراهة تمنعها من القيام بحقه، فلا حرج أن تفتدي نفسها منه بعوض."
فالخلع إذن ليس ظلمًا للمرأة، وليس انتقاصًا من كرامتها، بل هو تشريع رباني عادل، يدل على أن الإسلام راعى طبيعة النفس البشرية، وراعى أحوال النساء كما راعى أحوال الرجال.
وقد ثبت في الصحيح أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنهما جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت:
"يا رسول الله، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام."
أي: أخشى أن أقصر في حقه بسبب شدة كراهتي له.
فقال لها النبي ﷺ:
«أتردين عليه حديقته؟»
قالت: نعم.
فقال رسول الله ﷺ لثابت:
«اقبل الحديقة وطلقها تطليقة.» رواه البخاري.
وهذا الحديث أصل عظيم في باب الخلع، لأنه يدل على أن الإسلام لم يجعل المرأة سجينة زواج تستحيل معه الحياة، ولكنه كذلك لم يجعل الخلع قرارًا عاطفيًا يخلو من الضوابط.
لماذا شرع الله الخلع؟
شرع الله الخلع لحماية المرأة من الضرر، وليس ليكون بابًا للتسرع، ولا وسيلة لإنهاء الزواج عند أول خلاف.
فالفرق كبير بين امرأة تعيش مع زوج يؤذيها في دينها أو نفسها أو كرامتها، وبين امرأة تهدم بيتها بسبب كلمة غضب، أو مقارنة بحياة غيرها، أو تأثر بصديقة، أو متابعة مؤثرة في وسائل التواصل.
ولهذا جاء التحذير الشديد في قول النبي ﷺ:
«أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة.» رواه أبو داود والترمذي وصححه جماعة من أهل العلم.
وليس معنى الحديث أن المرأة تبقى مع الظلم، بل معناه أن طلب الفراق بلا سبب معتبر شرعًا أمر خطير، لأن الإسلام يريد حماية الأسرة من القرارات المتسرعة.
بين الحاجة والهوى
لقد جعل الله الإصلاح هو الطريق الأول، ولم يجعل الفراق أول الحلول.
قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].
فبدأ الله بالحوار، ثم بالتحكيم، ثم بالإصلاح، ثم إذا استحال ذلك كله جاء الفراق.
أما اليوم، ففي بعض البيئات، أصبح الأمر معكوسًا؛ فبمجرد وقوع خلاف، يُقال للمرأة:
"اطلبي الخلع."
"لا تتنازلي."
"أنت تستحقين أفضل."
"لا تعيشي مع رجل أخطأ مرة."
وكأن الصبر لم يعد خلقًا.
وكأن الإصلاح أصبح ضعفًا.
وكأن التسامح نقص في الكرامة.
وهذا من أخطر ما أفرزته بعض وسائل التواصل الاجتماعي، التي تنقل للناس صورة غير متوازنة عن الحياة الزوجية، حتى أصبح بعض المؤثرين يقدمون الطلاق والخلع على أنهما بداية السعادة المطلقة، دون أن يتحدثوا عن آثار الفراق على الأبناء، أو عن الندم الذي يعيشه بعض المطلقين والمطلقات بعد سنوات.
عندما يتحول الخلع إلى ثقافة اجتماعية
ومن خلال ما شاهدته في عدد من جلسات الصلح، لاحظت أمرًا يستحق الوقوف عنده، وهو أن بعض النساء أصبحن يتأثرن بتجارب غيرهن تأثرًا كبيرًا.
فتطلق امرأة، فتأتي أخرى تقول: "إذا استطاعت هي أن تبدأ من جديد، فأنا أيضًا أستطيع."
وتخلع امرأة زوجها، فتشجعها بعض الصديقات، ويجعلن قرارها رمزًا للقوة، دون أن يعرفن حقيقة حياتها، ولا حقيقة الأسباب التي دفعتها إلى ذلك.
ولا أقصد بهذا أن كل امرأة تطلب الخلع مخطئة، ولا أن الرجال جميعًا أبرياء، فكم من رجل ظلم زوجته حتى لم تجد سبيلًا إلا الفراق. ولكن المقصود هو التحذير من أن يتحول قرار خطير، شرعه الله للحاجة، إلى ثقافة تقليد، أو مظهر للمفاخرة عند بعض الناس.
فالمرأة لا تُقاس كرامتها بكونها مطلقة أو متزوجة، وإنما تُقاس بتقواها، وحكمتها، وحسن دينها.
وقد رأيت في بعض جلسات الصلح زوجًا يبكي، ويعترف بتقصيره، ويطلب فرصة جديدة، ويجلس أهل الخير ساعات طويلة يحاولون الإصلاح، ومع ذلك تصر الزوجة على قرارها دون أن تترك مجالًا لأي محاولة جديدة.
ورأيت حالات تدخل فيها الأب والأم، والأقارب، وأهل الإصلاح، وكلهم يرجون المحافظة على البيت، لكن القرار كان قد اتخذ مسبقًا.
كما رأيت حالة رفعت فيها امرأة دعوى الخلع دون علم والديها، فلما علموا سعوا في الإصلاح، ورأوا أن أسباب الخلع لا تستوجب هدم الأسرة، لكنها أصرت على موقفها حتى انتهى الأمر بالفراق.
وأذكر هذه الوقائع لأنها مما شهدته بنفسي، لا لأجعلها حكمًا عامًا على جميع النساء، فليس كل خلع ظلمًا، وليس كل زوج مظلومًا، وإنما هي أمثلة تبين أن بعض القرارات قد تُبنى أحيانًا على التأثر بالآخرين أكثر مما تُبنى على دراسة متأنية للمصلحة الشرعية والأسرية.

هل كل خلاف يستحق الخلع؟
إن من أعظم الأخطاء التي انتشرت في هذا العصر أن بعض الناس أصبحوا ينظرون إلى الحياة الزوجية وكأنها يجب أن تكون خالية من كل خلاف، فإذا وقع نزاع، أو اشتد نقاش، أو قصّر أحد الزوجين في حق الآخر، أصبح أول ما يتبادر إلى الذهن هو الطلاق أو الخلع.
وهذا التصور يخالف سنة الله في خلقه؛ فالله سبحانه لم يخلق علاقة بشرية بلا اختلاف، بل جعل الناس متفاوتين في الطباع والأخلاق، وجعل الصبر، والحلم، والعفو، والتغافل من أسباب دوام المودة بين الزوجين.
قال تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
قال الإمام السعدي رحمه الله: في هذه الآية حثٌّ على الصبر، وأن الإنسان قد يكره شيئًا ويجعل الله فيه من الخير ما لا يخطر له على بال.
وقال رسول الله ﷺ:
«لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر.» رواه مسلم.
وهذا من أعظم ما يحفظ البيوت؛ فالإنسان الكامل لا يوجد، والزوجة الكاملة لا توجد، كما أن الزوج الكامل لا يوجد، وإنما تستمر الحياة بحسن الظن، والصبر، والنظر إلى المحاسن قبل العيوب.
لا تجعلي الغضب ولا كلام الناس قاضيًا على بيتك
كم من بيت كاد أن ينهار بسبب كلمة قيلت في ساعة غضب، ثم عاد بعد أيام أقوى مما كان.
وكم من امرأة خرجت من المحكمة وهي تظن أن الخلع هو بداية السعادة المطلقة، ثم اكتشفت بعد سنوات أن الواقع مختلف؛ فقد تحملت وحدها مسؤولية الأبناء، أو واجهت صعوبات معيشية، أو ندمت على قرار اتخذته في لحظة انفعال.
ولا يعني ذلك أن كل من اختارت الخلع ندمت، فلكل حالة ظروفها، لكن المقصود أن القرار يحتاج إلى تروٍ، لأن ما يُهدم في لحظة قد لا يمكن بناؤه بعد ذلك.
ولهذا كان العقلاء يقولون: لا تتخذ قرارًا دائمًا بسبب شعور مؤقت.
فكم من خلاف انتهى بالصلح، وكم من غضب زال، وكم من زوجين أصلح الله بينهما بعد أن ظنا أن الحياة قد انتهت.
الأبناء... الأمانة التي قد يدفع ثمنها الأبرياء
إذا كان بين الزوجين أولاد، فإن المسؤولية تصبح أعظم، لأن قرار الفراق لا يقتصر أثره على الزوجين وحدهما، بل يمتد إلى الأبناء الذين لا ذنب لهم.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
فحتى عند الفراق أمر الله بحفظ المعروف، وعدم الظلم، وعدم نسيان الأيام الجميلة، وعدم تحويل الأبناء إلى وسيلة للانتقام أو تصفية الحسابات.
وكم من طفل نشأ بين محاكم الأسرة، يتنقل بين بيت أبيه وبيت أمه، يسمع الذم من هذا، والشكوى من تلك، فينشأ وهو يحمل جراحًا لا يراها الناس.
ولهذا فإن أعظم من يدفع ثمن التسرع في الطلاق أو الخلع هم الأبناء، الذين كانوا ينتظرون بيتًا يجمعهم، فإذا بهم يعيشون بين بيتين وقلبين متخاصمين.
رسالة إلى كل امرأة
يا أختي الكريمة...
لقد كرمك الله بالإسلام، وأعطاك حقوقًا لم تعرفها أمم كثيرة، وجعل لك مخرجًا إذا ظلمك الزوج أو استحال العيش معه، فلا يمنعك أحد من حق شرعه الله.
لكن في الوقت نفسه، لا تجعلي لحظة غضب، أو نصيحة صديقة، أو منشورًا في وسائل التواصل، أو مقارنة بحياة غيرك، سببًا لهدم بيت ربما يكون فيه خير كثير لك ولأولادك.
اسألي نفسك قبل أن تتخذي هذا القرار:
هل استنفدت وسائل الإصلاح؟
هل جلست مع زوجي جلسة صادقة للحوار؟
هل استعنت بأهل الحكمة والإصلاح؟
هل حاولت أن أعالج المشكلة قبل أن أنهي الحياة الزوجية؟
هل السبب ضرر حقيقي، أم أنه خلاف يمكن تجاوزه؟
فكم من بيت كان على وشك الانهيار، ثم أصلحه الله بعد أيام، بل أصبح أصحابه يحمدون الله أنهم لم يتسرعوا.
الخلع مسؤولية أمام الله
اعلمي أن قرار الخلع ليس قرارًا شخصيًا فحسب، بل هو أمانة ومسؤولية، وستقفين بين يدي الله فيسألك عن هذا القرار كما يسأل الزوج عن ظلمه إن ظلم.
قال الله تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24].
فإن كان الخلع بسبب ظلم لا يحتمل، أو ضياع للحقوق، أو استحالة في استمرار الحياة الزوجية، فقد جعل الله لك مخرجًا رحمة بك.
أما إذا كان سببه هوى، أو تأثر بكلام الناس، أو اندفاع لحظة غضب، أو تقليدًا لما يُنشر في وسائل التواصل، فليكن المؤمن والمؤمنة على حذر، فإن البيوت لا تُبنى بالأهواء، ولا تُهدم بالمشاعر العابرة، وإنما تُدار بحكم الله، والصبر، والحكمة.
وليعلم الزوج كما تعلم الزوجة أن التقصير والظلم من أي طرف قد يكون سببًا في خراب البيت، وأن كل واحد منهما مسؤول أمام الله عن الأمانة التي حملها.
بعد هذا البيان يتضح أن الإسلام لم يشرع الخلع لهدم الأسرة، ولم يجعله وسيلة للانتقام أو التخلص من المسؤولية، وإنما شرعه رحمةً بالمرأة إذا استحالت الحياة الزوجية، وأغلقت أبواب الإصلاح، وأصبح استمرار الزواج سببًا للضرر والظلم.
فالخلع حكم شرعي عادل، لا ينبغي إنكاره، كما لا يجوز التوسع فيه حتى يتحول إلى ثقافة تشجع على هدم البيوت عند أول خلاف.
لقد أمر الله تعالى بالإصلاح قبل الفراق، فقال سبحانه:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].
فإذا فشلت كل وسائل الإصلاح، ولم تعد الحياة الزوجية ممكنة، جاء الخلع أو الطلاق علاجًا أخيرًا، لا أولًا.
والمؤسف أن بعض البيئات في عصرنا بدأت تنظر إلى الطلاق أو الخلع على أنه دليل قوة واستقلال، حتى أصبح بعض النساء يتأثرن بقصص بعضهن بعضًا، ويتشجعن على إنهاء حياتهن الزوجية دون دراسة متأنية، ودون استنفاد وسائل الإصلاح. وفي المقابل، يوجد رجال يظلمون زوجاتهم، أو يقصرون في حقوقهن، أو يسيئون عشرتهم، فيكونون هم السبب الحقيقي في انهيار الأسرة.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي أن نقول: الخطأ لا يرتبط بجنس الإنسان، وإنما يرتبط بالظلم، والتقصير، واتباع الهوى. فمتى ظلم الرجل كان آثمًا، ومتى ظلمت المرأة كانت آثمة، والله سبحانه هو الحكم العدل بين عباده.
ومن خلال ما شهدته في عدد من جلسات الصلح، رأيت صورًا مؤلمة؛ رأيت رجالًا يعترفون بأخطائهم، ويبكون طلبًا لبقاء الأسرة، ورأيت نساءً أصررن على الفراق رغم كثرة محاولات الإصلاح، كما رأيت أيضًا نساءً مظلومات لم يجدن مخرجًا إلا الخلع. ولذلك لا يجوز أن نجعل تجربة واحدة ميزانًا نحكم به على جميع الناس، ولكن يجوز أن نحذر من الظواهر إذا بدأت تنتشر، وأن ندعو إلى الرجوع إلى ميزان القرآن والسنة.
إن الأسرة ليست مشروعًا شخصيًا، بل هي أمانة، وهي أساس المجتمع. فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا تفككت ضاع الأبناء، وانتشرت المشكلات النفسية والاجتماعية والأخلاقية.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«إن إبليس يضع عرشه على الماء... فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نعم أنت.» رواه مسلم.
فإذا كان التفريق بين الزوجين أحب الأعمال إلى الشيطان، فإن الإصلاح بينهما من أحب الأعمال إلى الله، ولذلك قال سبحانه:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].
فطوبى لمن كان سببًا في جمع شمل أسرة، وإزالة خلاف، وإحياء بيت كاد أن ينهار.
وصية إلى الزوج والزوجة
اتقيا الله في بيتكما.
ولا تجعلا الغضب يحكم عليكما.
ولا تسمحا للناس أن يديروا حياتكما.
ولا تجعلا وسائل التواصل الاجتماعي ميزانًا للسعادة الزوجية.
فما يُنشر فيها ليس هو الحقيقة كاملة، وإنما يعرض الناس غالبًا أجمل ما عندهم، أو أشد ما يؤلمهم، ويبقى الواقع مختلفًا.
واعلموا أن الزواج الناجح لا يقوم على خلو الحياة من المشكلات، وإنما يقوم على حسن التعامل معها، وعلى الصبر، والحوار، والتنازل المشروع، والتغافل عن الزلات، كما كان هدي النبي ﷺ في بيته.



دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة