الحياء


 

الحَيَاءُ... خُلُقٌ إِذَا ذَهَبَ ذَهَبَ مَعَهُ الخَيْرُ

​الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الحَيَاءَ شُعْبَةً مِنَ الإِيمَانِ، وَقَرِينًا لِلتَّقْوَى وَالسَّتْرِ، وَأَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَحَثَّ عَلَيْهِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ.
​أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَ «أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا»، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

فَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَتَمَسَّكُوا بِخُلُقِ الحَيَاءِ؛ فَإِنَّهُ زِينَةُ المُؤْمِنِ، وَشِعَارُ الصَّالِحِينَ، وَخُلُقُ الأَنْبِيَاءِ.
​أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
الحَيَاءُ هُوَ زِينَةُ النِّسَاءِ وَمُرُوءَةُ الرِّجَالِ، وَهُوَ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ فِي البَاطِنِ يَظْهَرُ صَلَاحُهُ فِي الظَّاهِرِ. وَلَيْسَ الحَيَاءُ ضَعْفًا وَلَا خَجَلًا يَمْنَعُ مِنَ المَطَالَبَةِ بِالحَقِّ أَوْ تَعَلُّمِ الدِّينِ، بَلْ إِنَّ قَوْلَ الحَقِّ وَالأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ مِنْ أَعْظَمِ مظَاهِرِ الحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ.
​فَإِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ مِنَ العَبْدِ انْهَارَتْ أَخْلَاقُهُ، وَذَهَبَتْ هَيْبَتُهُ وَوَقَارُهُ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ وَجَعَلَاهُ مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الإِيمَانِ.
​قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ... وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53].
فَهَذِهِ الآيَةُ تَأْمُرُ بِالحِجَابِ وَالسَّتْرِ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾، أيْ: أَقْرَبُ إِلَى الطَّهَارَةِ وَالحَيَاءِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الرِّيبَةِ وَالشَّكِّ.
​وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي قِصَّةِ ابْنَةِ شُعَيْبٍ:
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25].
جَاءَتْ مَاشِيَةً بِأَدَبٍ وَعِفَّةٍ وَوَقَارٍ، لا بِتَبَذُّلٍ وَلا تَبَرُّجٍ، فَمَدَحَ اللَّهُ حَيَاءَهَا قَبْلَ كَلَامِهَا، لِيُبَيِّنَ أَنَّ الحَيَاءَ مِنْ أَجْمَلِ صِفَاتِ المُؤْمِنَةِ.
​وَقَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ... وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 30–31].
فَأَمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَضِّ البَصَرِ وَحِفْظِ الفُرُوجِ، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ مَظَاهِرِ الحَيَاءِ: أَنْ يَسْتَحْيِيَ العَبْدُ مِنَ اللَّهِ فَيَنْظُرَ حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ، وَيَكُفَّ حَيْثُ نَهَاهُ اللَّهُ.
​وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً... وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».
وَقَالَ ﷺ: «الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ».
​وَقَالَ ﷺ مُبَيِّنًا حَقِيقَةَ الحَيَاءِ الإِيمَانِيِّ:
«اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ... مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى».
​أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
إِذَا نُزِعَ الحَيَاءُ مِنَ الإِنْسَانِ، هَانَتْ عَلَيْهِ المَعْصِيَةُ، وَسَهُلَ عَلَيْهِ الكَذِبُ وَالغِشُّ وَالخِيَانَةُ، وَاسْتَخَفَّ بِالمُحَرَّمَاتِ، بَلْ رُبَّمَا افْتَخَرَ بِالذَّنْبِ!
وقَدْ حَذَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذَا المُنْزَلَقِ الخَطِيرِ فَقَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ».
وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ فِي عاقِبَةِ سُلُوبِ الحَيَاء: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدًا نَزَعَ مِنْهُ الحَيَاءَ»؛ لأَنَّ نَزْعَ الحَيَاءِ هُوَ المَقْدِمَةُ لِكُلِّ سُقُوطٍ وَهَلَاكٍ.
​وَفِي زَمَنِنَا هَذَا، كَثُرَتْ مَظَاهِرُ فَقْدَانِ الحَيَاءِ:
​مُجَاهَرَةٌ بِالمَعَاصِي عَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَنَشْرٌ لِخُصُوصِيَّاتِ البُيُوتِ، وَتَبَرُّجٌ وَعُرِيٌّ بِلا حَيَاءٍ.
​مُلاَسَنَاتٌ وَمَشَاجَرَاتٌ عَلَى الشَّاشَاتِ وَالأَهْوَاءِ، فِيهَا سَبَّابٌ وَتَجْرِيحٌ، دُونَ حَيَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَلا مِنَ النَّاسِ.
​بَذَاءَةٌ فِي الكَلَامِ، وَسُخْرِيَةٌ مِنَ الدِّينِ وَالحِشْمَةِ، بِحُجَّةِ "الحُرِّيَّةِ" وَ"المُوضَةِ".
​جَرَاءَةٌ فِي المُعَامَلَاتِ المَالِيَّةِ مِنَ الأَكْلِ بِالحَرَامِ وَالغِشِّ وَالخِيَانَةِ.
​فَلْيَتَّقِ اللَّهَ كُلُّ امْرِئٍ فِي نَفْسِهِ، وَفِي أَهْلِهِ، وَفِي وَلَدِهِ.
لِيَسْتَحِيِ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَاهُ حَيْثُ نَهَاهُ.
وَلْتَسْتَحِيِ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنَ اللَّهِ فِي لِبَاسِهَا، وَكَلَامِهَا، وَتَعَامُلِهَا.
​أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

​الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

فَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الحَيَاءَ لَيْسَ شِعَارًا يُقَالُ، بَلْ هُوَ مَنْهَجٌ يُرَبَّى عَلَيْهِ الأَجْيَالُ.
​مِنْ أَعْظَمِ مَا نُرَبِّي عَلَيْهِ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا: الحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ؛
أنْ يَسْتَحْيِيَ الوَلَدُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَاهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ خَلْفَ الشَّاشَاتِ وفي غُرْفَتِهِ المِغْلَقَةِ،
وَأَنْ تَسْتَحْيِيَ البِنْتُ مِنَ اللَّهِ فِي عِفَّتِهَا، وَلِبَاسِهَا، وَحِشْمَتِهَا أَمَامَ العَالَمِ.
​ولْنَنْتَبِهْ أيُّها المُسْلِمُونَ.. لَنْ نَسْتَطِيعَ بَثَّ الحَيَاءِ فِي أَبْنَائِنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَحْنُ القُدْوَةَ:
​الأَبُ يَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ فِي نَظَرِهِ، وَكَلَامِهِ، وَمَكْسَبِهِ.
​الأُمُّ تَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ فِي لِبَاسِهَا، وَسُلُوكِهَا، وَقُدْوَتِهَا لِبَنَاتِهَا.
​المُعَلِّمُ وَالإِعْلَامِيُّ يَسْتَحْيِيَانِ مِنَ اللَّهِ فِيمَا يُقَدِّمَانِهِ لِلأُمَّةِ.
​التَّاجِرُ يَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ فَلَا يَغُشُّ وَلا يَخُونُ.

​اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الحَيَاءَ مِنْكَ حَقَّ الحَيَاءِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَحْيُونَ مِنْكَ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَاجْعَلِ الحَيَاءَ زِينَةً لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ شَبَابَنَا وَبَنَاتَنَا مِنَ الفِتَنِ، وَاشْرَحْ صُدُورَهُمْ لِلْعِفَّةِ وَالطَّهَارَةِ.
اللَّهُمَّ أُصْلِحْ أَحْوَالَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاهْدِنَا لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ.
​عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ

بداية سلسلة الحياء 
أحاديث: «الحياء شعبة من الإيمان»، «الحياء لا يأتي إلا بخير»، «استحيوا من الله حق الحياء»

دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة