الحياء والإيمان


 

الحياء... خُلُقٌ إذا ذهب، ذهب معه الخير

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحياء ليس ضعفًا، ولا خجلًا يمنع الإنسان من قول الحق، بل هو خُلُقٌ عظيم يدفع صاحبه إلى فعل الجميل وترك القبيح، ويمنعه من معصية الله، ويجعله يراقب ربه في السر والعلن. ولهذا كان الحياء من أعظم أخلاق الإسلام، حتى جعله النبي ﷺ جزءًا من الإيمان.
فالحياء هو انقباض النفس عن فعل ما يُذَمُّ شرعًا أو عقلًا أو مروءة، خوفًا من الله أولًا، ثم صيانةً للنفس عن كل ما يشينها.
لقد أمر الله تعالى بالحياء من خلال أوامره بالعفة والستر وغض البصر وحفظ الفروج، لأن الحياء هو السور الذي يحمي الإنسان من الوقوع في الفواحش. فإذا سقط الحياء سهلت المعصية، وأصبح المنكر مألوفًا، بل قد يفتخر به صاحبه.
قال الله تعالى في قصة ابنة شعيب:
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25].

قال الإمام ابن كثير: أي جاءت ماشية بأدب وعفة ووقار، لا بتبذل ولا تبرج، فمدح الله حياءها قبل كلامها.
وقال تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30].
ثم قال بعدها مباشرة:
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31].
فغض البصر هو أول أبواب الحياء، ومن فقد حياء العين فقد حياء القلب.
وقال سبحانه:
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26].
فستر الجسد مطلوب، لكن ستر القلب بالتقوى والحياء أعظم.

الحياء في السنة النبوية
قال رسول الله ﷺ:
«الإيمان بضع وسبعون شعبة... والحياء شعبة من الإيمان.»
رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ:
«الحياء لا يأتي إلا بخير.»
رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ:
«الحياء خير كله.»
رواه مسلم.
وكان رسول الله ﷺ مضرب المثل في الحياء، فقد وصفه الصحابة بأنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها.
وقال ﷺ:
«استحيوا من الله حق الحياء.» فقال الصحابة: إنا نستحيي من الله يا رسول الله. فقال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى...» رواه الترمذي.
فالحياء الحقيقي ليس مجرد خجل أمام الناس، وإنما مراقبة الله في كل عمل.

لماذا أمر الله ورسوله بالحياء؟
لأن الحياء يحفظ الدين، ويصون الأخلاق، ويحمي الأسرة، ويمنع انتشار الفواحش، ويزرع احترام الإنسان لنفسه ولغيره.
فالمرأة تستحيي من التبرج، والرجل يستحيي من النظر الحرام، والتاجر يستحيي من الغش، والعالم يستحيي أن يقول على الله بغير علم، والحاكم يستحيي أن يظلم، والعبد يستحيي أن يعصي ربه.
لماذا ضاع الحياء من الرجال والنساء؟
لقد كثرت الفتن في هذا الزمان، وانتشرت وسائل التواصل، وأصبح كثير من الناس يطلب الشهرة ولو على حساب دينه وكرامته.
فترى من يجاهر بالمعصية، ومن ينشر خصوصيات بيته، ومن يتفاخر بالتبرج أو الفسق أو العلاقات المحرمة، حتى أصبح المنكر عند بعض الناس أمرًا عاديًا.

ومن أسباب ذهاب الحياء:
ضعف الإيمان.
قلة ذكر الله.
كثرة مشاهدة المحرمات.
صحبة السوء.
التقليد الأعمى للمشاهير.
ضعف التربية في البيوت.
الاعتياد على الذنوب حتى لا يعود القلب ينكرها.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«إذا لم تستح فاصنع ما شئت.»
رواه البخاري.
أي إذا نزع الحياء من القلب، لم يبق ما يمنع الإنسان من ارتكاب القبائح.

هل الحياء يدخل الجنة؟
نعم، لأن الحياء يقود إلى الإيمان، والإيمان يقود إلى العمل الصالح، والعمل الصالح سبب لدخول الجنة.
وقد قال ﷺ:
«الحياء لا يأتي إلا بخير.»
وقال ﷺ:
«الإيمان والحياء قرناء جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر.» صححه أهل العلم.
فكلما ازداد العبد حياءً من الله، ازداد قربًا منه، وابتعد عن الذنوب، وكان ذلك من أسباب فوزه بالجنة.

ماذا قال العلماء عن الحياء؟

قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"الحياء أصل كل خير، وذهاب الحياء أصل كل شر."

وقال الإمام النووي رحمه الله:
"الحياء خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق."

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله:
"خمس من علامات الشقوة: قسوة القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل."

وقال الحسن البصري رحمه الله:
"الحياء والإيمان قرنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر."

هل كان الحياء موجودًا في الجاهلية؟
نعم، فقد بقيت عند العرب بعض الأخلاق الحسنة قبل الإسلام، ومنها الحياء والكرم والوفاء، ثم جاء الإسلام فأقر ما وافق الفطرة، وهذب هذه الأخلاق وربطها بالإيمان.
ومن أمثلة ذلك أن كثيرًا من العرب كانوا يستقبحون كشف العورات أمام الناس، وكانوا يعدون بعض الأفعال الفاحشة عارًا على صاحبها، لكن الإسلام جعل الحياء عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، لا مجرد عادة اجتماعية.

إن الأمة التي يكثر فيها الحياء، تكثر فيها العفة والطهارة والأمانة والصدق، والأمة التي يُنزع منها الحياء، يكثر فيها التبرج، والفواحش، والكذب، والخيانة، والاستخفاف بأحكام الله.
فلنربِّ أبناءنا وبناتنا على الحياء، ولنعلم أن الحياء ليس تخلفًا، بل هو زينة المؤمن، وشعار الصالحين، وخلق الأنبياء.
نسأل الله أن يرزقنا الحياء منه حق الحياء، وأن يزيننا بالإيمان والتقوى، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة