عشق الصور وتعلّق القلب بها


 

عشق الصور وتعلّق القلب بها

يُقصد بـ عشق الصور: 
تعلّق القلب المحرَّم بصور الأشخاص أو هيئاتهم، بحيث يستولي المحبوب على الفكر والخيال، ويشغل العبد عن محبة الله تعالى وذكره وطاعته. ولا يُراد بذلك مطلق المحبة الفطرية أو الرغبة في الزواج؛ فالمحبة المباحة بين الزوجين والأهل والأصدقاء أمر مشروع، وإنما الكلام في التعلق الشهواني المحرم، أو التعلق الذي يصدّ عن الله ويقود إلى المعصية.

وقد تناول الإمام ابن القيم هذه القضية في مواضع متعددة، ولا سيما 
في روضة المحبين ونزهة المشتاقين، 
وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان،
 والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، 
المعروف بـ الداء والدواء، ومفتاح دار السعادة.


أولاً: أهم مراجع ابن القيم
 روضة المحبين ونزهة المشتاقين يُعد هذا الكتاب أوسع كتب ابن القيم في الحديث عن المحبة وأنواعها، ويفرّق فيه بين:محبة الله تعالى، وهي أصل السعادة.المحبة الطبيعية، كمحبة الطعام والولد والزوجة.المحبة المحرمة، ومنها عشق الصور المحرمة.المحبة الشركية، وهي أن يحب العبد غير الله كما يحب الله أو أشد.
ويقرر ابن القيم أن المحبة إذا تجاوزت حدّها المشروع تحولت من عاطفة طبيعية إلى استعباد للقلب؛ لأن حقيقة العبودية ليست مقصورة على الجوارح، بل يدخل فيها خضوع القلب وتعظيمه وتألهه.
2. إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان تحدث ابن القيم في هذا الكتاب عن وسائل الشيطان في إفساد القلب، ومن أبرزها:إطلاق النظر.تكرار مشاهدة الصور.استرسال الخواطر.
تخيل المعشوق.التواصل الذي يثير الشهوة.الخلوة والمراسلات المحرمة.ويبين أن النظرة قد تكون بداية الطريق، ثم تتحول إلى خاطرة، ثم إلى إرادة، ثم إلى تعلق وعشق، وقد تنتهي بالوقوع في الفاحشة. ولذلك كان غض البصر من أعظم أبواب حفظ القلب.ومن العبارات المشهورة المنقولة عنه في هذا الباب أن إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب والعشق، أي أن العين تفتح للقلب باب التعلق، فإذا تكرر النظر انطبعت الصورة في النفس وصار استحضارها أسهل وأقوى.
3. الجواب الكافي «الداء والدواء»

ختم ابن القيم كتابه بفصل مهم في عشق الصور ومفاسده، وبيّن أن هذا العشق لا مصلحة دينية ولا دنيوية فيه غالباً، بل يترتب عليه:الاشتغال بالمخلوق عن الخالق.إضعاف محبة الله وذكره.فساد القلب والإرادة.اضطراب العقل والفكر.الوقوع في الحزن والقلق والذل.جرّ صاحبه إلى النظر والحديث والخلوة والفاحشة.تعطيل المصالح الدينية والدنيوية.ومن كلامه في معنى ذلك أن عشق الصور يفسد القلب، وإذا فسد القلب فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، كما يضعف أثر التوحيد والإخلاص في حياة الإنسان. وقد أشار إلى أن العشق المحرم قد يتحول إلى نوع من التعبد للمحبوب إذا استولى على القلب، لأن العاشق يذل له، ويرضى لرضاه، ويسخط لسخطه.

4. مفتاح دار السعادة.  ذكر ابن القيم في هذا الكتاب معنى بالغ الأهمية، وهو أن سبب عشق الصور غالباً خلو القلب من محبة الله وذكره. ونُقل فيه قول بعض العلماء:«قلوب غفلت عن ذكر الله، فابتلاها بعبودية غيره». 
وهذا لا يعني أن كل من أحب شخصاً وقع في الشرك الأكبر، وإنما المقصود التحذير من أن التعلق إذا استولى على القلب وأصبح صاحبه يقدّم رضا محبوبه على رضا الله، أو يطيعه في معصية الله، فقد صار هذا الحب لوناً من العبودية المذمومة. وقد عرضت مصادر علمية هذا المعنى ضمن نقولات ابن القيم في مفتاح دار السعادة وكتبه الأخرى. 
ثانياً: أسباب تعلق القلب بالصور.   غفلة القلب عن الله القلب لا يمكن أن يبقى خالياً؛ فإذا لم يمتلئ بمحبة الله وذكره وتعظيمه، تعلّق بالمخلوقين والشهوات والخيالات. 
قال تعالى:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[الرعد: 28]
فكلما قوي ذكر الله في القلب، وضعف استيلاء الصور المحرمة والخواطر الشهوانية عليه.إطلاق البصر
قال الله تعالى:﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[النور: 30]وقال سبحانه:﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾[النور: 31]
وقدّم الله غض البصر على حفظ الفرج؛ لأن النظر المحرم من مقدمات التعلق والشهوة والفاحشة. وتشمل صور النظر المحرم ما يُقصد به التلذذ أو إثارة الشهوة، سواء كان في الواقع أو في الصور والمقاطع ووسائل التواصل، مع مراعاة التفصيل الفقهي في النظرة العارضة غير المقصودة.فراغ النفس والروحا لفراغ الطويل، وقلة العمل النافع، وضعف الهمة، وكثرة التخيّل، كلها أسباب تساعد على رسوخ الصورة في القلب. فإذا اجتمع الفراغ مع إطلاق البصر أصبح الإنسان يستحضر صورة المحبوب في كل وقت، حتى تتحول الخاطرة العابرة إلى تعلق مستمر.الاسترسال مع الخواطر 
الخاطرة إذا دُفعت في بدايتها سهل التخلص منها، أما إذا استرسل الإنسان معها فإنها تتحول إلى فكرة، ثم إرادة، ثم فعل. ولهذا ينبغي قطع الخاطر المحرم قبل أن يتجذر في القلب.
ضعف الإيمان وعدم ضبط وسائل التواصل من أسباب التعلق المعاصر كثرة متابعة الحسابات والصور والمقاطع، وإعادة النظر، والرسائل الخاصة، والمحادثات العاطفية. وهذه الأمور قد تبدأ بفضول أو تسلية، ثم تؤدي إلى تعلق يصعب التخلص منه.

ثالثاً: آثار عشق الصورالانشغال عن محبة الله 
قال تعالى:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
[البقرة: 165]الآية لا تعني أن كل محبة لمخلوق شرك، وإنما تذم المحبة التي تبلغ حد التسوية بين المخلوق والخالق، أو التي تصرف القلب عن توحيد الله وطاعته. وقد قرر ابن القيم أن أعظم المحبة النافعة محبة الله وحده، وأن المحبة المذمومة هي التي تضر بالدين والدنيا وتبعد صاحبها عن ربه. 
ضعف الإرادة والعبادةالعاشق الذي يستولي عليه التعلق قد يتكاسل عن الصلاة والذكر وطلب العلم، أو يؤدي العبادة بجسد حاضر وقلب غائب. وقد يقدّم متابعة محبوبه ومحادثته على الواجبات الشرعية.الذل والقلق والحزن العشق المحرم يجعل القلب معلقاً بأمر لا يملكه صاحبه؛ فيفرح بوصل محبوبه ويحزن بهجره، ويعيش في انتظار الرسائل والنظرات والاهتمام. وهذا نوع من أسر القلب وعبوديته للمخلوق.الوقوع في المعاصي قد يقود التعلق إلى:
الخلوة والمحادثات المحرمة.
الكذب على الأهل.تضييع الأوقات.
مشاهدة المحرمات.
التعلق بالوعود الوهمية.
الفاحشة، إذا لم يتدارك الإنسان نفسه بالتوبة وقطع الأسباب.

رابعاً: الأحاديث النبوية المتعلقة بالعلاج قال النبي صلى الله عليه وسلم:«يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاء».رواه البخاري، رقم 5065، ومسلم، رقم 1400.
 يدل الحديث على أن الإسلام لم يطلب إلغاء الفطرة، وإنما أرشد إلى الطريق المشروع لتصريفها: الزواج لمن استطاع، والصوم لمن لم يستطع.وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه:«يا علي، لا تُتبع النظرةَ النظرةَ؛ فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة».رواه أبو داود والترمذي، وحسنه أهل العلم بمجموع طرقه.
ومعنى الحديث أن النظرة العارضة التي تقع بغير قصد يُعفى عنها إذا صرف الإنسان بصره، أما تعمد متابعة النظر وتكراره فهو الذي يفتح باب الفتنة والتعلق.وجاء في الحديث:«كُتِب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة؛ فالعينان زناهما النظر...».رواه البخاري ومسلم.
والمقصود أن النظر المحرم قد يكون مقدمة للمعصية، ولذلك جاءت الشريعة بسد الطريق من بدايته.

خامساً: علاج تعلق القلب بالصور
1. تقوية محبة الله العلاج الأساسي هو ملء القلب بمحبة الله، وتعظيمه، والاشتغال بذكره وكتابه والصلاة والعبادات. قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
[البقرة: 165]وقال سبحانه:﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾[البقرة: 152]
فليس العلاج مجرد مقاومة الصورة، بل بناء محبة أعظم منها وأشرف: محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة.

2. غض البصر وقطع مصادر الفتنة ينبغي للمبتلى أن يقطع الأسباب العملية التي تغذي التعلق، ومنها:إلغاء متابعة الحسابات المثيرة.حذف الصور والمحادثات القديمة.عدم البحث عن أخبار الشخص أو صوره.تجنب الخلوة والمراسلات الخاصة.صرف النظر فوراً عند ظهور الصورة المحرمة.استعمال الهاتف والإنترنت في حدود الحاجة.
فالقاعدة العملية: ما دام السبب قائماً بقي أثره، وما انقطع السبب بدأ القلب في التعافي.

3. عدم الاسترسال مع الخيال إذا حضرت صورة المحبوب أو خاطرة محرمة، فليقطعها الإنسان فوراً، وليشغل نفسه بعمل آخر، ولا يدخل في حوار خيالي معها. ومن النافع أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم ينتقل مباشرة إلى قراءة القرآن أو عمل بدني أو مهمة نافعة.

4. الزواج عند القدرة إذا كان التعلق ناتجاً عن حاجة فطرية، وكان الشخص قادراً على الزواج، فالزواج هو الطريق الشرعي للعفة. أما من عجز، فعليه بالصوم، وتقليل المثيرات، ومجاهدة النفس، والاستعانة بالله؛ كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق.
 

5. الصحبة الصالحة وملء الوقت الفراغ بيئة مناسبة للخواطر والعشق، ولذلك يحتاج الإنسان إلى برنامج نافع يشمل:الصلاة في وقتها.
تلاوة القرآن.
الرياضة.الدراسة أو العمل.طلب العلم.
صلة الرحم.صحبة الصالحين.
النوم المنظم وتقليل استخدام الهاتف.

6. الدعاء والتوبةمن الأدعية النافعة:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾[آل عمران: 8] وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك».رواه الترمذي.
والتوبة لا تكون بالندم فقط، بل بترك الذنب، وقطع أسبابه، والعزم على عدم العودة إليه. وإذا كان التعلق شديداً ومصحوباً بقلق أو اكتئاب أو وسواس قهري، فلا حرج في الاستعانة بطبيب أو مختص نفسي موثوق، مع المحافظة على العلاج الإيماني والشرعي.

سادساً: أقوال العلماء

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن استعباد القلب أعظم من استعباد البدن، لأن القلب إذا استُعبد لغير الله تضرر صاحبه ولو كان ظاهره حراً. وهذا يوضح أن المشكلة ليست في مجرد وجود الإعجاب، وإنما في تحوّل القلب إلى تابع للمحبوب، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه. 
وقال ابن القيم رحمه الله، في معنى عشق الصور المحرمة، إن هذا النوع من المحبة قد يكون من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أبعد عن الإخلاص والتوحيد كان تعلقه وعشقه أشد، وكلما قوي إخلاصه وتوحيده كان أبعد عن هذا الداء. 
وينبغي فهم هذا الكلام في سياقه التحذيري، فلا يُحكم على كل محب بالشرك، بل يُنظر إلى نوع المحبة وآثارها وما يصاحبها من أقوال وأفعال. 

وبيّنت اللجنة الدائمة أن المقصود بالعشق المذموم هو المحبة التي تتجاوز الحد، حتى يحب الإنسان محبوبه كحب الله أو أكثر، أو يقدم وصله على التوحيد والطاعة؛ أما المحبة الطبيعية المنضبطة، كالمحبة بين الزوجين، فليست داخلة في هذا الوعيد. 
يتضح من كلام ابن القيم أن عشق الصور ليس مجرد عاطفة عابرة، بل قد يتحول إلى مرض قلبي إذا اجتمع مع الغفلة وإطلاق البصر والفراغ والاسترسال مع الخواطر. ويبدأ العلاج من حماية العين، ثم قطع الأسباب، وملء القلب بمحبة الله وذكره، وصرف النفس إلى الزواج المشروع أو الصوم عند العجز




دربنا في الحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أقوال وافعال وردة فيها أجور عظيمة

حاجز الرياء والتصنع في التواصل

احاديث قصيرة